فهرس الكتاب

الصفحة 25283 من 28557

ويلاحظ هنا من فقه ابن عمر:أنه لم يبادره بالإنكار أول شيء, بل بين له أنه يحمد الله ويسلم على الرسول أي يفعل ذلك في الجملة دون تقييدها في هذا الموضع, ذكر ذلك له كي لا يستهجن عليه ويقول كما نسمع من صوفية اليوم: أنتم تكرهون رسول الله .. أتحرمون علينا أن نعظم رسول الله .. أو أن نفعل كذا .. إلخ

ثم إنه بين له مخالفة فعله للهدي النبوي وقال:وليس هكذا علمنا رسول الله, وهذا النوع من الإنكار لا يقال في المكروه لأن حده الاصطلاحي بالرسم:ما نهى الشارع عنه نهيا غير جازم .. وهذه المسألة بخصوصها لم ينه عنها الشارع.

وحاصل ما في الأمر أن صاحب الشريعة سكت ,فأضاف هذا الرجل زيادة , فهي أليق شيء أن تلحق بباب"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"فقوله"أمرنا"أي في الأمور التعبدية أو التي هي ذريعة إلى ذلك .. والبدع كما تعلم تنقسم إلى بدع أصلية وبدع إضافية ..

-أما كلامكم في عيد الأم .. فكذلك يقال في المولد لأنه وفد إلينا من الباطنيين .. ونحن تبعناهم عليه

وقد توافر الداعي لأن يوصي النبي صلى الله عليه وسلم به وهو الحريص على أمته كما أوصانا مثلا بقرابته وكما أمر عمر رضي الله عنه أن يحبه أكثر من نفسه, وقد كان معروفا عند النبي أن أهل الكتاب يحتفلون بمواليد أنبيائهم .. فلما ترك ذلك مع وجود داعيه الشرعي وهو حب الرسول, ثم مع هذا لم يفعله الصحابة كلهم ولم يفطن له أحد منهم مع كونهم أبر الأمة قلوبا وأرجحهم عقولا

لا هم ولا تابعوهم بإحسان .. ولا تابعو تابعيهم .. حتى اخترعه باتفاق المؤرخين العبيديون .. الذين قال فيهم أبو حامد الغزالي ظاهر الرفض وباطنهم الكفر المحض .. علمنا من ذلك أنه بدعة من جهة كونه خارجا عن نظام الشريعة وأن فيه معنى العيد .. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه"إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا"

ومما يدل على أن هذا يخالف مقصد الشارع أن العلماء اختلفوا في تحديد مولده صلى الله عليه وسلم فلم يظهره الرب الحكيم ولم يحفل بمولده في كتابه وإنما حفل برسالته ..

والحاصل أننا نقول لمن يتهمنا بجفاء رسول الله أو الجلافة في العلاقة به! , أننا ندعو لذكره وسننه وأيامه والصلاة عليه والذب عنه كل يوم ..

فأي الفريقين أحق بالهدى إن كنتم منصفين؟

وهنا جملة من الأمور بين يدي المناقشة.

1 -من بديع كلام ابن تيمية الذي يحسن استحضاره في هذا المقام: (فإن هذا الباب كثر فيه اضطراب الناس في الأصول والفروع، حيث يزعم كل فريق أن طريقه هو السنة، وطريق مخالفه هو البدعة، ثم إنه يحكم على مخالفه بحكم المبتدع، فيقوم من ذلك من الشر مالا يحصيه إلا الله)

2 -لا أفترض أن الدكتور محمد -سدده الله- يتعمد الخطأ أو الافتيات على الشرع, بل أحسن الظن فيه وأراه يقصد معنى نبيلًا وإن كان قصّر في وجهة نظري من جهة الاستقصاء العلمي في المسألة فإن عامة الوقوع في البدع من طلبة العلم وأهله إما بسبب التقصير في الاجتهاد وإما بسبب ما يعتري الإرادة من شوائب, قال تعالى"إلا من شهد بالحق وهم يعلمون".وكان عتبي الوحيد أنه يدعو للمدارسة في الوقت الذي أسقط فيه من سيدارسه في طليعة رسالته ..

3 -ليس كلامي في المسألة مبنيًا على التربية على ذلك كما أشار الشيخ أبو فراس من كوننا ربينا أو نشأنا على هذا, بل إن المدرسة الإسلامية التي كنت منتظمًا في سلكها منذ نعومة أظفاري تقر مواسم الموالد النبوية كما أن المدرسة النظامية التي درست فيها كان من مناهجها الدراسية الموسيقى! .. ويأتي الكلامُ لاحقًا بحول الله تعالى في تحرير القضية.

كنت طلبت من حضرة الدكتور أن يقدم لنا تعريفًا للبدعة عنده فترك الرد على طلبي مع أن التعريف لا يكفي في تنزيل الحكم على الواقعة بل لابد من فقه واستقراء وإن كان يقرب صورتها ,

فأشرع ببيان حد الابتداع مستلهمًا ما ورد من قبل الشارع في الحديث المشهور الذي هو ثلث الإسلام عند الإمام أحمد وغيره أعني حديث عائشة رضي الله عنها المخرج في الصحيحين"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"

فاشتمل هذه الكلمة الشريفة الجماعة على معالم البدعة .. فهي إذن:

1 -إحداث شيء أو اختراع طريقة بتعبير الشاطبي

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت