فهرس الكتاب

الصفحة 25292 من 28557

لَكِنْ كثيرٌ من المتكلمين أو أكثرهم لا خبرة لهم بما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ بل ينصر مقالات يظنها دين المسلمين، بل إجماع المسلمين، ولا يكون قد قالها أحد من/السلف، بل الثابت عن السلف مخالف لها، فلما وقع بين المتكلمين تقصير وجهل كثير بحقائق العلوم الشرعية، وهم في العقليات تارة يوافقون الفلاسفة على باطلهم، وتارة يخالفونهم في حقهم؛ صارت المناظرات بينهم دولًا. وإن كان المتكلمون أصح مطلقًا في العقليات الإلهية والكلية، كما أنهم أقرب إلى الشرعيات من الفلاسفة؛ فإن الفلاسفة كلامهم في الإلهيات والكليات العقلية كلام قاصر جدًا، وفيه تخليط كثير، وإنما يتكلمون جيدًا في الأمورالحسية الطبيعية وفي كلياتها، فكلامهم فيها في الغالب جيد.

وأما الغيب الذي تخبر به الأنبياء، والكليات العقلية التي تعم الموجودات كلها، وتقسيم الموجودات كلها قسمة صحيحة فلا يعرفونها البتة؛ فإن هذا لايكون إلا ممن أحاط بأنواع الموجودات، وهم لا يعرفون إلا الحسيات وبعض لوازمها، وهذا معرفة بقليل من الموجودات جدًا؛ فإن ما لا يشهده الآدميون من الموجودات أعظم قدرًا وصفةً مما يَشْهَدُونَهُ بكثير.

ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا أخبارالأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار ـ وهم يظنون ألا موجود إلا ماعلموه هم والفلاسفة ـ يصيرون حائرين متأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه، وإن كان هذا لا دليل عليه، وليس لهم بهذا /النفي علم؛ فإن عدم العلم ليس علمًا بالعدم، لكن نفيهم هذا كنفي الطبيب للجن؛ لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن، وإلا فليس في علم الطب ما ينفي وجود الجن، وهكذا تجد من عرف نوعًا من العلم وامتاز به على العامة الذين لا يعرفونه، فيبقى بجهله نافيًا لما لم يعلمه، وبنو آدم ضلالهم فيما جحدوه ونفوه بغير علم أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به، قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَالَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ( http://java:openquran(9,39,39 ) ) [ يونس: 39] ؛ وهذا لأن الغالب على الآدميين صحة الحس والعقل، فإذا أثبتوا شيئًا وصدقوا به كان حقًا.

ولهذا كان التواتر مقبولًا من جميع أجناس بني آدم؛ لأنهم يخبرون عما شاهدوه وسمعوه، وهذا أمر لا يشترك الخلق العظيم في الغلط فيه، ولا في تعمد الكذب فيه، فإذا علم أنهم لم يتواطؤوا عليه، ولم يأخذه بعضهم عن بعض، كما تؤخذ المذاهب والآراء التي يتلقاها المتأخر عن المتقدم، وقد علم أن هذا مما لا يغلط فيه عادة علم قطعا صدقهم، فإن المخبر إما أن يتعمد الكذب وإما أن يغلط، وكلاهما مأمون في المتواترات، بخلاف ما نفوه وكذبوا به، فإن غالبهم أو كثيرًا منهم ينفون ما لايعلمون، ويكذبون بما لم يحيطوا بعلمه.

فصار هؤلاء الذين ظنوا الموجودت ما عرفه هؤلاء المتفلسفة، إذاسمعوا ما أخبرت به الأنبياء من العرش والكرسي وقالوا: العرش هو/ الفلك التاسع، والكرسي هو الثامن، وقد تكلمنا على ذلك في [مسألة الإحاطة] وبينا جهل من قال هذا عقلًا، وشرعًا، وإذا سمعهم يذكرون الملائكة ظن أنهم العقول والنفوس التي يثبتها المتفلسفة، والقوى التي في الأجسام، وكذلك الجن والشياطين يظن أنها أعراض قائمة بالنفوس، حيث كان هذا مبلغه من العلم، وكذلك يظن ما ذكره ابن سينا وأمثاله من أن الغرائب في هذا العالم سببها قوة فلكية، أو طبيعية أو نفسانية، ويجعل معجزات الأنبياء من باب القوى النفسانية، وهي من جنس السحر، لكن الساحر قصده الشر، والنبي قصده الخير، وهذا كله من الجهل بالأمور الكلية المحيطة بالموجودات وأنواعها، ومن الجهل بما جاء به الرسول، فلا يعرفون من العلوم الكلية ولا العلوم الإلهية إلا مايعرفه الفلاسفة المتقدمون، وزيادات تلقوها عن بعض أهل الكلام، أو عن أهل الملة.

فلهذا صار كلام المتأخرين ـ كابن سينا وأمثاله ـ في الإلهيات والكليات أجود من كلام سلفه؛ ولهذا قربت فلسفة اليونان إلى أهل الإلحاد المبتدعة من أهل الملل، لما فيها من شوب الملة؛ ولهذا دخل فيها بنو عبيد الملاحدة، فأخذوا عن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركين العقل والنفس، وعن المجوس النور والظلمة، وسموه: هم السابق والتالي، وكذلك الملاحدة المنتسبون إلى التصوف والتأله ـ كابن سبعين وأمثاله ـ سلكوا /مسلكًا جمعوا فيه ـ بزعمهم ـ بين الشرع والفلسفة، وهم ملاحدةليسوا من الثنتين والسبعين فرقة، وقد بسط الكلام على هؤلاء وهؤلاء في غير هذاالموضع.

وإنما ذُكِروا هنا؛ لأن أهل الكلام المحدث صاروا ـ لعدم علمهم بماعلمه السلف وأئمة السنة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة، ولما وقعوا فيه من الكلاميات الباطلة ـ يُدْخِلُ بسببهم هؤلاء الفلاسفة في الإسلام أمورًا باطلة، ويحصل بهم من الضلال والغي ما لا يتسع هذا الموضع لذكره.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت