فهرس الكتاب

الصفحة 25379 من 28557

فبالله عليكم أي دينٍ سيبقى في بلادنا عندما تتوارد هذه الأقوال على العامة، فيأخذون بساقطة كلّ واحدٍ من أمثال هؤلاء؟

قال الإمام ابن القيم في"مدارج السالكين" (2/ 58) : (من ترخص بقول أهل مكة في الصرف، وأهل العراق في الأشربة، وأهل المدينة في الأطعمة، وأصحاب الحيل في المعاملات، وقول ابن عباس في المتعة، وإباحة لحوم الحمر الأهلية، وقول من جوز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء، وجوز أن يكون زوج قحبة، وقول من أباح آلات اللهو والمعازف: من اليراع والطنبور والعود والطبل والمزمار، وقول من أباح الغناء، وقول من جوز استعارة الجواري الحسان للوطء، وقول من جوز للصائم أكل البرد، وقال: ليس بطعام ولا شراب، وقول من جوّز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم، وقول من صحح الصلاة بمدهامتان بالفارسية، وركع كلحظة الطرف، ثم هوى من غير اعتدالٍ وفصلٍ بين السجدتين بارتفاع كحد السيف، ولم يصل على النبي، وخرج من الصلاة بحبقة، وقول من جوز وطء النساء في أعجازهن، ونكاح بنته المخلوقة من مائه الخارجة من صلبه حقيقة إذا كان ذلك الحمل من زني، وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرخص) انتهى.

وقال الحافظ الذهبي في"سير أعلام النبلاء" (8/ 90) : (ومن تتبع رخص المذاهب، وزلات المجتهدين، فقد رق دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره:"من أخذ يقول المكيين في المتعة، والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء، فقد جمع الشر"وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه، وشبه ذلك، فقد تعرض للانحلال، فنسأل الله العافية والتوفيق) انتهى كلام الذهبي.

فليت شعري ما يريد هؤلاء من ذلك (التمييع) للدين؟ والله ما هذا إلا ابتغاء الفتنة في دين الله، وابتغاء إحداث الفرقة والبلبلة بين أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

ونحن في زمن اشتدت فيها الغربة، وغلب فيه الجهل، وندر من يجرد اللسان والبنان نصرة لدين الله تعالى، وكنا كما قال الإمام عبدالله بن المبارك: (اعلم أي أخي! إنَّ الموت كرامة لكل مسلم لقي الله على السُّنَّة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وَحْشَتَنَا وذهابَ الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكو عظيم ما حَلَّ بهذه الأُمة من ذهاب العلماء وأهل السُّنَّة، وظهور البدع) .

فمثل هذا الزمان يحمل عقلاء العلماء وطلاب العلم أن لا يتجهوا إلى البحث عن الرخص في زمنٍ يسعى أهله إلى طلبها، وإنما يحمد الاتجاه إلى الرخص عندما يغلب على الناس مبالغة الحرص على التمسك بالدين، وتحمل المشقة في القيام بشعائره، فيرشدون إلى الرخص تبيانًا لسعة الدين، وسماحة الشريعة، أما والأمر كما هو اليوم من شدة الحملة على السنة النبوية، والتشكيك فيها، والانفلات الديني والأخلاقي، وجرأة الناس على المحرمات، فلا تكاد تسمع إلا منكرًا، ولا ترى إلا منكرًا، حتى صار صاحب الدين في وحشة وغربة لا يعلم قدرها إلا الله، فلا يجوز لعاقل بله عالم أن ينادي الناس إلى مزيد من التساهل، وتأييد ما هم عليه من انحلال، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله،،،

كتبه

بدر بن علي بن طامي العتيبي

11 جمادى الآخرة 1431هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت