فهرس الكتاب

الصفحة 25543 من 28557

ويجهل إخواننا أن تلك الطائفة المهزومة من النصارى قد أصبح المثقفون في أوروبا يسمونهم بالخلقيين creationists وكأنما صار الخلق - بسبب طريقة هؤلاء المساكين المفتونين في المنافحة عن معنى الخلق - لا يزيد على كونه"نظرية"قابلة للأخذ والرد، يُطلب التدليل عليها كما يطلب على غيرها من فرضيات العلم الطبيعي أو الفلسفي!!! ووالله الذي لا إله إلا هو، ما رأت البشرية انحطاطا للعقل كما رأت على أيدي هاتين الطائفتين جميعا، المتنازعتين على وجود الرب جل وعلا، يقولون"لأهل الدين (نظرية) في نشأة الكائنات على الأرض (ألا وهي الخلق) ، ولأهل العلم نظرية أخرى، ولكل من الفريقين أدلته"!!!

ولست في هذا المقال بالذي يروم هدم جهود إخوانه ممن انفردوا على ساحة الدعوة إلى الله تعالى في الغرب وفي بلادنا بالتصدي للملاحدة وأضرابهم، ولكنه نداء توجيه وتحذير، أوجهه إلى كافة المشتغلين بالرد على الملاحدة والمتكلمين في تأصيل موقف المسلم من قصة الخلق وتاريخ الكائنات على سطح هذه الأرض ومن نظرية داروين وما جاء به من البضاعة = أن اتقوا الله والزموا سبيل المؤمنين من قبلكم في هذا كما في غيره، ثم تعلموا - رعاكم الله - تلك النظرية الفاسدة على حقيقتها وافقههوا حق الفقه، فإن فعلتم فسيظهر لكم من قبل ما كان خافيا عليكم، وسيظهر لكم بطلان ووهاء كثير مما أعجبكم من طرائق للنصارى الغربيين في الرد على هؤلاء الدراونة! وسيتبين لكم أنه ليس بعد الهدى إلا الضلال، وأنه ليس بين الحق والباطل إلا باطل مخلوط بحق مدخول!

فاعلموا حفظكم الله وسددكم أن نظرية داروين في أصل الأنواع إنما تقوم - في أصلها الفلسفي - على مطلب إيجاد آلية عشوائية - أي لا تحتاج إلى قوة خارجية لتوجيهها وحكمها وضبطها - لنشوء تلك الكائنات على سطح الأرض، بدءا من أصل الخلية الواحدة!

(ولك أيها العاقل الكريم أن تتأمل في وصفي الآنف للآلية بأنها عشوائية، وجعل العشواء آلية، وتنعم النظر في هذا الوصف: ففيه أصل الفساد في نظرية داروين لو تأملته!)

فما كان إلا أن وضع داروين تلك الآلية فيما يسمى بالانتخاب الطبيعي Natural Selection بالإضافة إلى ما يسمى بالطفرة العشوائية Random Mutation . ولهذا لم يسم داروين كتابه الأول (أصل الكائنات بالارتقاء) وإنما (أصل الكائنات بالانتخاب الطبيعي) ! وهذه الآلية هي إضافته التي حولت تلك النظرية من مجرد فكرة فلسفية قديمة إلى نظرية في علم الأحياء على نحو ما نرى .. فما حقيقة الانتخاب الطبيعي هذا وكيف تعمل تلك (الآلية) ؟

تقوم فكرة الانتخاب الطبيعي ببساطة على افتراض أن التكيف مع الطبيعة شرط كان الأصل في سائر ما جاء إلى الأرض من كائنات هو العجز عن القيام به والتخلف عنه (على اعتبار أن تلك الكائنات ليست بمخلوقة ولا جاءت إلى الوجود بفعل فاعل مريد ذي قدرة وإرادة) ، فكان مصيرها جميعا الهلاك والانقراض إلا ما كان منها سعيد الحظ بظهور جين جديد في خلاياه (بالطفرة العشوائية ونحوها) أفضي إلى ظهور عضو جديد أو وظيفة جديدة أو نظام بيولوجي جديد في ذلك النوع بعينه، أعانه على التكيف مع الطبيعة (كالمفتاح مع القفل على حد تشبيه دوكينز) ، فلم يهلك ذلك الكائن، واستمر نوعه وبقي، وبهذا تكون الطبيعة قد"انتخبته"دون غيره من الكائنات ليبقى في الأرض، ولتنزل منه سلالة من كائنات أخرى، يهلك ما يهلك منها حتى تأتي الطفرة العشوائية السعيدة ليبقى منها ما يبقى، فكلها جاءت إلى الأرض بأمثال تلك الطفرات العشوائية التي وصلت بنا في النهاية - وبعد بلايين السنين - إلى هذا الحال الذي نراه على سطح الأرض!

هذه أيها الموحدون الكرام، وباختصار شديد، حقيقة ما يسمى بنظرية داروين في أصل الأنواع. يؤمن هؤلاء السفهاء بأن الحياة يمكن أن تنشأ على هذا النحو البديع الذي لا تكاد تدرك عظمته عقولنا، من خلال تراكم طويل لخطوات من الإضافات العشوائية الكثيرة التي لم تلتزم نسقا معينا ولا طريقا مخصوصا، حتى وصلت في النهاية إلى هذا الحال المحكم تام الإحكام الذي نراه الآن من حولنا في كل مكان! فأين عقولهم هؤلاء إذ يصفون العشواء التي لا حاكم لها، بأنها آلية محكومة تنضبط بقوانين الطبيعة عبر بلايين السنين، وكيف يغفلون عن ذاك التناقض العجيب؟؟ وأين عقولهم إذ يصفون الكائنات بالنشأة العشوائية، ويغفلون عن ضرورة

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت