فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
المتقن - لا هذا الارتقاء العشوائي المخزي الذي لا يحكمه حاكم - ولا لتكذيب ما جاء به النص عندنا من خبر الخلق!
فأكرر إن الأمر الذي ينبغي أن يفهمه عقلاء المسلمين أن تلك النظرية ما وضعت إلا لجعل العشواء (على سلسلة متتابعة عبر بلايين السنين) بديلا للخلق المحكم والتقدير المتين! فلو قلتم لهم الله هو الذي فعل هذا كله عبر تلك البلايين من السنين لأجابوكم - كما قال بعضهم تصريحا - بأن هذا من العبث لأن نظريتنا تقوم على الزعم بأنه لا يلزم أن يكون هناك خالق أصلا ليقوم على تلك العملية كما نصفها!! فإن لم ينتبه الموحدون إلى هذا المعنى، ولم يجعلوا ديدنهم إبطال تلك العملية أو الآلية من أصلها وإرجاع الأمر إلى نصوص الوحي في هذا وحدها دون غيرها، فقد قالوا على الله بغير علم، مقالة شديدة المذمة - والتناقض في ذات الوقت - كالتي قالها النصارى، حاصلها أن الله بدأ الحياة على الأرض ثم تركها وأخذ يشاهدها من الخارج لتجري بلا توجيه ولا إرادة حتى تصل إلى الحالة التي كان يريدها من قبل حتى يخلق فيها الإنسان ويجعلها كما نراها الآن!! فإن كان من شيء فإن هذا لازمه نفي العلم عن الله ونفي إرادة خلق آدم وابتلائه في الأرض، ونفي القضاء والقدر والحكم الرباني على سائر ما يجري على الأرض من أحداث، ونفي القيومية والكفر بأكثر صفات رب العزة جل وعلا التي ما استساغ النصارى مثل هذا القول الساقط إلا لجهلهم بها وتضييعهم لها في كتابهم!!
فكيف يغفل هذا المسكين عن لازم قوله إن الله بدأ الخلق الأول ثم"تركه"و"لم يتدخل فيه"؟؟ أهو وصف لله بالغفلة أم بالغياب أم بالانشغال عن الخلق وإهماله أم ماذا؟؟؟ ألا يعي من يقبل من الدارويينيين قصتهم هذه ما يلزمه من هذا القبول؟؟
إنه والله قول أشد ذما لله من قول أهل الكتاب إنه سبحانه"استراح"في اليوم السابع، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا!!
(( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) [الحج: 65]
(( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) ) [فاطر: 41]
(( أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ) [النحل: 79]
(( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ) ) [الأنبياء: 16]
النصارى لغرقهم في الجهل والضلالة لم يجدوا مانعا من قلب نصوص كتابهم (كتاب الخلق) كلها إلى المجاز حتى لا يظهروا بمظهر مروجي الأساطير القديمة الذين لا يزالون - في القرن الواحد والعشرين! - يقولون بحرفية هذه الروايات، يعارضون بها ما جاء به"العلم الحديث"!!! وهذا الضرب من ضروب التحريف نعرفه، وقد عرفته سائر ملل الأرض من قبل، وما ضلت أغلب طوائف المبتدعة من أهل القبلة إلا بالوقوع في مثله: الانصراف إلى خلاف المعنى الظاهر من النص الذي كان عليه الأولون، وصولا إلى حد التأويل الباطني، بلا قرينة ولا بينة إلا الشبهة العقلية الواهية واتباع الهوى! يقولون لو حملنا هذا النص على ظاهره لعارضنا الدليل العقلي (وليس إلا معنى فاسدا جاءت به عقولهم بلا سلف ولا إمام) أو لعارضنا النظرية الفلانية التي أجمع عليها أهل الأحياء - بدعواهم - أو لوقعنا في التشبيه والتجسيم ... إلى آخر ما في تلك القلوب المتشابهة، والله المستعان!
فهل أنتم ذاهبون إلى أمثال تلك التحريفات والتبديلات؟؟
وأنا أعجب والله كيف يقبل المسلم الموحد من هؤلاء قصة مخزية سفيهة كقصة ارتقاء العين ونحوها (مثلا) ، يقول إن الله أجرى هذا الارتقاء بعلمه وحكمته وتقديره؟؟ أما تستحون يا هؤلاء؟؟ ألا تتقون الله؟؟ أم تراكم لا تفهمون ما جاء به داروين؟؟ إن كنتم تجهلون فتلك مصيبة، وإن كنتم تعلمون فالمصيبة أعظم!!
فالحاصل يا عباد الله أنه لا يمكن للمسلم الموحد أن يقبل ببعض نظرية داروين دون بعضها، لأنها إنما تقوم قياما كاملا - في أصل آليتها التي جاء بها داروين - على تنحية العقل والإرادة والتدبير الخارجي (وما يلزم من معاني الخلق الواضحة الجلية شديدة الجلاء لسائر العقلاء) عن قصة نشأة الكائنات على سطح الأرض! فأي جزء منها هذا الذي يمكن للمسلم قبوله، وبأي برهان؟؟
ولماذا يا عباد الله يا عقلاء؟؟
أهو الضعف والوهن؟
أهو الجهل بحقيقة نظرية داروين وأصولها الفلسفية؟
أهو الجهل بما جاء في قصة الخلق من نصوص في دينكم؟
أهو الخوف من اتهامهم إياكم بمثل ما اتهم به السفهاءُ أتباعَ الأنبياء في كل زمان؟؟
أي شيء هذا إذن وكيف تفسرونه؟؟؟
أسأل الله العلي العظيم أن يلهم هؤلاء رشدهم وأن يفقههم في دينهم ثم في دين هؤلاء الذين افتتنوا بهم، وأن يعجل برجوع الإسلام عزيزا في صدور أتباعه كما كان في زمان العزة والتمكين، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله
والحمد لله رب العالمين.
(يُتْبَعُ)