فهرس الكتاب

الصفحة 25645 من 28557

المثال الرابع: وبطلي هذا الموقف رجلان: بالَغ أحدهما في مطالبة الآخر"المسلمين"باحترامه واستيعابه وعدم جرح مشاعره، وعدم دعوة أتباع دينه، وعدم .. وعدم ... بل تعدى السلب إلى الإيجاب بلزوم الاهتمام بأعياده والاعتناء بها واعتبارها مناسبات عامة إلى آخره ... ! بينما لم يلزِم أتباعه بأي حرف من ذلك؛ فأتباعه يتعلمون أن كل من لم يؤمن بعقائدهم فهو خارج عن الملكوت، وأن دين المسلمين فيه كذا وكذا ... من المساوئ المزعومة التي صاروا يستطيعون تكرارها في ظل خلو الساحة ممن يفند هذه الشبهات!

وأما الثاني: فبوصفه في حس نفسه إمامًا عامًا للمسلمين قَبِل بكل ترحاب كل ما يطلبه الطرف الآخر حتى أفتى بأن من أوجه البر والصدقة أن يتبرع المسلم لبناء الكنائس!

جمع الاثنين لقاء إعلامي ذكر الأول فيها طرفة عن سلوك رجل الدين المسلم والنصراني واليهودي مع أموال الصدقات، ومع أن النكتة بالإضافة إلى كونها كذب كان فيها خطاب لله بما لا يليق على لسان الحاخام اليهودي وكان فيها -من غير قصد غالبًا- إظهار رجال الدين الثلاثة أنهم لا يتورعون في الجملة عن مال الصدقات إلا أنها في النهاية أظهرت الحاخام اليهودي أنه بينما اكتفى صاحباه بقسط من مال الصدقة أخذه هو كاملًا بحيلة خبيثة، وعلق الشيخ على تلك النكتة بقوله:"هذه نكتة طريفة لطيفة ظريفة ... !".

وهذه"النكتة"التي فيها طعن على دين إحدى"الأقليات"من رجل يريد أن يجعل حقوق أقليته الدينية مساوية إن لم تكن أعلى من حقوق دين الأغلبية ثم هذا الاستحسان ممن يوافق على ذلك كله بدعوى أنه ما يمليه عليه دينه.

فلماذا أملى عليه دينه قبول هذا والسخرية من ذاك وهما في النهاية أهل كتاب لهما في الإسلام نفس الحقوق التي ليس منها بلا شك ما يسمونه بـ"قبول الآخر"!

وهذه الأمثلة ليست إلا نزرًا يسيرًا مما يقع من القوم من أمور تدل على أنه لا يكاد يوجد من يؤمن بضرورة"قبول الآخر"، وإنما هو ستار يتخذه المداهنون لتبرير مداهنتهم؛ لأن تسمية الأمور باسمها سوف يُسفر عن حقيقة حكمها في الشرع (وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) .

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ

(1) يمارس الغرب وإسرائيل ضغطًا كبيرًا على بلاد المسلمين؛ لإزالة حالة العداء العقدي بينهم وبين المسلمين، وهذا مخالف لدين الله -وإن جاز عقد المعاهدات والصلح مع اليهود ومع غير اليهود-، ولكن المعاهدة والصلح المؤقت شيء وإزالة العداوة القلبية شيء آخر؛ هذا إذا كانوا صادقين في دعواهم؛ فكيف إذا كانت تلك الدعاوى لا تروَّج إلا في بلاد المسلمين بينما يظل الأعداء معلنين ما ضاقت به صدورهم من العداوة وما خفي كان أعظم؟!

وقد استغلت إسرائيل معاهدة السلام مع مصر والتي ردت بموجبها سيناء إلى مصر على دفعات، ومع كثير من القيود على بسط السيادة المصرية عليها مع استمرارها في احتلال بقعة أخرى من بلاد المسلمين، ومع استمرار سيطرتها على المسجد الأقصى، ومع استمرار عدوانها على المساجد وهي في ذات الوقت تمارس تفتيشًا عجيبًا على وسائل الإعلام ومناهج التعليم، وتم تغيير المناهج عدة مرات لا سيما مناهج التربية الدينية التي حذف منها كثير من آيات الجهاد والنصوص التي تبين كفر اليهود والنصارى، ومناهج اللغة العربية التي حذف منها أناشيد الحماسة القتالية، ومع ذلك فبعد كل"تطوير"يزعمون أن المناهج ما زالت تحتوي على عداء لهم!

ومن المضحكات المبكيات أن يتم الإعلان عن خطة جديدة لهذا التشويه للدين والخضوع لأعداء الله والقبول بالمداهنة، بل المسارعة فيها كما قال -تعالى-: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) (المائدة:52) ، في وقت تخرج إسرائيل فيها من حالة العداء الكامن على مصر عن طريق تحريض دول منابع النيل ضد مصر! وبدلًا من أن يُقابل ذلك بالاستنفار ورفع حالة الممانعة المعنوية يُقابل بمزيد من تحريف الدين من أجلهم، ومع ذلك فهم لم ولن يرضوا: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120) !

(2) وقع الدكتور في تناقض آخر خاص بقضية المظهر والجوهر، وهي: قضية يدندن حولها الكثيرون مطالبين السلفيين ألا يُقصروا اهتمامهم بالمظهر؛ فإذا وافقتهم على ذلك وقلت إنه لا بد من الاهتمام بالمظهر والجوهر معًا فوجئت بأنه لا يرضى إلا أن تخرج المظهر من حساباتك تمامًا فإذا بدأت في مناقشتهم وجدت أن القوم غارقون في تعظيم المستورد من الغرب، وأن متى خالفته إلى المظهر الإسلامي ما تراه منه واجبًا وما تراه منه مستحبًا، ما تدعو إليه الآخرين وما لا تدعوهم إليه اتهموك أنت بالاهتمام بالمظهر، بل إذا أنكرت مظاهر مخالفة للشرع وفي التزامها تعسير على الناس كـ"سرادقات العزاء"ونحوها ... وطالبت بالتيسير على أهل الميت؛ كان الاتهام: إن السلفيين هم الذين يهتمون بالمظهر، وها هنا بعد ما استنكر لحية السلفيين واعترض عليه أحد الحاضرين عاد وقال:"إنه ليس ضد اللحية بشرط"تهذيبها!". إذن فهو يتدخل وبشدة في حق مظهر الآخرين، ويرفضهم لمجرد اختيارهم مظهرًا لا يراه هو ملائمًا!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت