فهرس الكتاب

الصفحة 2574 من 28557

الاعتراف بأن دلائل وجود الله و صفاته و أسماءه و أفعاله أوضح و أصرح في العقل و الفطرة و الكون -كما هو في النقل -من دلائل دوران الأرض حول نفسها أو حول غيرها أو دوران غيرها حولها ....

و هب ان بعض الفيزيائيين- ممن يحمله العداء الأعمى للكنيسة أن يرفض كل دليل يصب في مصلحتها و لو كان حقا -يقولون بأن دوران الأرض حول الشمس قطعي الدلالة بعد سلوك كل تلك الاستدلالات المعقدة فهم قطعا لا يقولون بأنه مما يحتاج المرء لمعرفته احتياجا ضروريا و لا أن من اعرض عن معرفته فان له معيشة ضنكا ... و هذا القدر متفق فيه بين أهل الملل و هؤلاء .. و لكننا نقطع -مع اخواننا هؤلاء-أن معرفة الله بصفاته و أفعاله و توحيده بها ضرورية لنا على مستوى الفرد و المجتمع على السواء و هو أشد ما يتلهف الى معرفته من كان له قلب حي أو سمع يلقيه و هو شهيد .. فهذا القدر أيضا متفق عليه بيننا و بين اخواننا ... فيتحصل من تقاطع القدرين المتفق عليهما: أن لو فرضنا جدلا أن دلائل دوران الأرض و امثالها من العقليات هي عند بعض البشر قطعية فهذا لا يقدح في السؤال الوارد على كلام سلطان العلماء الامام العز:لم لم يوضح الشرع التوضيح الكافي الشافي في ما نتفق معا على كونه من أشرف المطالب و اهمها؟ ألم يكن أولى تركهم لعقولهم و الاكتفاء فقط بالأمر بالتفكر الفلسفي؟ دون أن ينزل عليهم ألفاظا أغلبها يفهم منها ما تسمونه"تجسيما"و هو عين الكفر و الا لحاد و مع ذلك لا ينهاهم عن اعتقاد ظواهرها كما نهاهم بألفاظ صريحة قاطعة للعذر عن اعتقاد أن الأصنام تنفع أو تضر أو عن عبادة غير الله أو عن زنا المحارم أو غيرها مع أن آيات و أحاديث الصفات لا تحصى كثرة و كلها أو جلها على ما تزعمونه من هذا"الايهام الخادع"؟ ثم تمضي كل القرون المشهود لها بالخيرية دون أن ينبه أحد على ان اعتقاد هذه الجبال من البينات على ظاهرها كفر؟ الا يدل هذا على شيئين لا ثالث لهما اما أن خاتم النبيين صلى الله عليه و سلم والذين معه قد تعمدوا ترك الجمهور و العوام في عمايتهم و تعمدوا اخفاء الحق و أن مثل هذه"الأسرار"لا تسطر في الكتب فليس للخاصة الا تعظيم حروفها دون معرفة معانيها و انها لم تنزل الا لتكون تبعا لعقولهم و ذوقهم و كشفهم و ترك الجمهور بادئ الرأي يتخبط في اعتقاد معانيها لأن الغالب عليه اتباع الفطرة الساذجة ... أو الاقرار و الاعتراف بأن كل هذه البينات كافية شافية قاطعة في بابها مبينة للقدر الواجب اعتقاده من معرفة الله و للمعنى الواضح المبين لعظمة الله و جلاله و عفوه و قدرته بما يروي القلب و يزيد من تعلقه بخالقه و توجهه اليه بشتى الصفات التي لا تقرب المعرفة القلبية و العقلية الى التمثيل و الحلول و الاتحاد و لا تبعدها الى التعطيل و العدم و الاعتراف بأن الخطأ و الاجمال و الوهم انما هو في بعض"عقلياتنا"التي تلقيناها عن اهل الكتاب قديما و حديثا كقولنا بالجوهر الفرد أو قولنا بالقيمة الكونية ص أو قولنا بقانون الطاقة .. الخ ... فاما هذا السبيل سبيل خير القرون ممن وسعهم بل و فاضت عليهم فيوضات آيات و أحاديث السماء و الصفات سبيل عمر بن الخطاب و ابن عباس و عبد الله بن المبارك و أحمد بن حنبل واسحق و ابو عبيد و البخاري و الجنيد والأشعري و ابن خزيمة و الجيلاني و من تبعهم ... او سبيل من راهن على فلسفة"الأنا"المتخفية في ثوب التقدم العلمي الانساني سبيل جهم و المريسي و غيلان و النظام و الحلاج و ابن عربي و ابن سبعين و الفارابي و الرازي أبو بكر ... فان لم يكن قول الأولين كافيا فكثير من الآخرين قد قالوها صراحة - كما قالها ابن النفيس و ابن رشد ومقامهما في"العقليات"معروف- أنه عند التحقيق لا طريق الا طريق أهل الحديث و طريق الفلاسفة و ما سواهما خلط بينهما ...

و الله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت