من أمثلة ذلك: تأول الصفات الاختيارية كالاشاعرة، أو قال دعونا نجتمع مع أهل البدع كلهم، كما يقول الإخوان المسلمون، أو قال لا تنكروا على أهل البدع، كما يقول الإخوان المسلمون والتبليغيون، هؤلاء يخرجون من الفرقة الناجية إلى عموم الثنتين والسبعين فرقة الضالة، وإذا كان فردا يكون مبتدعا.
وذكر الشاطبي ضابطا آخر -وإن كان غير دقيق-، قال: هو من خالف أهل السنة في جزئيات تساوي أمرا كليا.
أما الضابط الذي ذكره أبو العباس ابن تيمية في آخر مجلد من مجموع الفتاوى وهو: إذا خالف أهل السنة في أمر اشتهر فيه الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدعة فإن هذا يكون مبتدعا.
من أمثله ذلك: أن يرى الرجل الخروج، فمن رأى الخروج فهو مبتدع، لأن هذا أمر اشتهر فيه الخلاف بين أهل السنة والخوارج والمعتزلة.
ومن أمثلة ذلك: أن يقول قائل إن كلام الله مخلوق، هذا مبتدع؛ لأنه خالف أهل السنة في أمر اشتهر فيه الخلاف بين أهل السنة وأهل البدعة.
ومما أحب أن أنبه إليه: أن أئمة السلف ما كانوا يعاملون البدعة معاملة الكفر، بمعنى أن الرجل إذا وقع في أمر كفري لم يكفروه معينا إلا بعد توافر الشروط وانتفاء الموانع، وهذا ما كانوا يفعلونه مع كل بدعة، بل كانوا يرون الرجل إذا وقع في أمر كلي أو أمر اشتهر فيه الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدعة، فكانوا يبدعون الرجل مباشرة، وإن كان ذا تأويل في هذه المسالة، لذلك قال أبو حاتم وأبو زرعة في عقيدتهما التي حكوها عن السلف: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، فإن كان جاهلا بدع. لاحظوا: بدعوه مع كونه جاهلا.
وأيضا مما ينبه عليه في المقابل: أن أهل السنة لا يبدعون الرجل بالمخالفة في أمر جزئي، لذا قال أبو العباس ابن تيمية: والقاضي شريح أنكر قراءة بل عجبتُ وأول صفة العجب، قال: وهو مع ذلك إمام من الأئمة بالاتفاق.
ومما أحب التنبيه إليه: أنه لا تلازم بين كون الأمر مجمعا عليه وبين أن يكون كليا أو أن يكون مشتهرا، فقد يجمع العلماء على أمر ولا يكون مشتهرا، وقد يجمع العلماء على أمر ولا يكون كليا، كإثبات العلماء الإجماع على صفة العجب، ولما أنكره القاضي شريح لم يبدعوه بهذا الأمر؛ لأنه ليس مشتهرا ولا أمرا كليا.
ومن غربة الإسلام ما ذكره الإمام في هذا الأصل لما قال: ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين. وصدق رحمه الله تعالى. ترى من يخالف منهج أهل السنة بأن يتعلم الفلسفة أو المنطق أو ما لا فائدة منه يسمونه فقيها، مع أنه في الواقع قد فارق طريقة ومنهج أهل السنة.
ثم قول المصنف -رحمه الله تعالى-: في أصول الدين وفروعه، قد يظن ظان أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع خطأ، وأن ابن تيمية أنكره، والواقع أن ابن تيمية ممن يقر بتقسيم الدين إلى أصول وفروع، لكنه -رحمه الله تعالى- ينكر تقسيمه على طريقة المعتزلة، وذلك أنهم جعلوا الأصول هي العقائد والفروع هي المسائل الفقهية، وهذا خطأ؛ فإن من الأمور الفقهية العملية ما هو أصل كالصلاة، ومن الأمور العقدية ما هو فرع، كاختلاف العلماء: هل إذا نزل الله يخلو العرش أم لا يخلوا العرش، وإن كانت عقدية، فوجه الإنكار على المعتزلة أنهم حصروا مسائل الأصول في العقائد ومسائل الفروع في الفقهيات».
ـ [عبد الحق آل أحمد] ــــــــ [21 - Jul-2010, صباحًا 12:52] ـ
وقال أيضا -رحمه الله تعالى- كما في شرحه الممتع على (الزاد .. ) :"أنا أرى أنَّ الرَّجُلَ إذا خالفَكَ بمقتضى الدليلِ عنده لا بمقتضى العنادِ أنَّه ينبغي أن تزداد محبَّةً له؛ لأنَّ الذي يخالفُكَ بمقتضى الدَّليلِ لم يصانعْك ولم يحابِك، بل صار صريحًا مثلما أنك صريحٌ، أما الرَّجُلُ المعاندُ فإنَّه لم يرد الحقَّ".اهـ