فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
على تنظيفها وفهرستها وترتيبها فهل خرج منها بغير مكنسته ومنشفته.
المقدمة الثانية في مقال فضيلته: ما دام الأمر كذلك فعلى المفتي أن يكون أمينا حين الفتوى بذكر الخلاف في كل مسألة وإلا فضحته ضغطة المفتاح - وهذا الإلزام لا أدري أين مستنده في كتاب ربنا أو سنة نبينا أو فعل سلفنا إلا إن تحاكمنا إلى لوحة المفاتيح فهذا شيء آخر. بل الذي يُعلم من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن على العالم أن يفتي ويحكم بما أراه الله لا بذكر الخلاف فقال تعالى:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"وقال تعالى:"فاسألوا أهل الذكر"والذكر هو الدليل وليس الخلاف، وقال تعالى:"وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"ولم يقل نرده إلى الخلاف، وقال تعالى:"وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله"لا إلى الخلاف، وقال تعالى لرسوله والقول كذلك لورثته:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"والذي أنزل إليه هو الوحي لا أقاويل الناس، وهذه فتاوى القرآن لم تذكر خلافا فقد سألوه عن الخمر وعن المحيض وعن الشهر الحرام قتال فيه وعن الأهلة وعن اليتامى وعن النساء وعن الكلالة، وهذه فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم لم تدع قولا لقائل وقد سئل عن مسائل لا تحصى فكان قوله وحيا وكان ملتزما بالوحي"قل إنما أنذركم بالوحي"وقال في قصة العسيف: (( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ) )، وأما الصحابة فشأنهم أظهر من أن يقال وهذه فتاواهم مطبوعة ومخطوطة لم يُسأل أحد منهم فقال في المسألة قولان أو أكثر وإنما كانوا يفتون بالدليل، ثم تتابعت الأئمة في القرون المفضلة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم واقفين مع الحجة والاستدلال , يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه , ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه إذا بدا لهم الدليل بأخذته طاروا إليه زرافات ووحدانا , وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه عما قال برهانا. إعلام الموقعين ج: 1 ص: 49
قال الإمام الشافعي قدس الله تعالى روحه: (( أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعه لقول أحد من الناس ) ). وقال أبو عمر وغيره من العلماء: (أجمع الناس على أن العلم معرفة الحق بدليله ) ) ،ويقول ابن العربي: (( ولو راعينا كل خلاف يطرأ لما استقر الدين على قاعدة ) ).
وهؤلاء التابعون وتابعوهم يُسأل أحدهم فيفتي بما أراه الله وبما يغلب على ظنه أنه الحق الموافق لمراد الله مؤملا أجري الصواب ضامنا أجر الخطأ باجتهاده - وعلى ذلك صار الأئمة ولم يعهد أن أحدا من الأئمة الأربعة كان يقول لكل سائل: قال فلان كذا ودليله كذا وقال فلان كذا ودليله كذا، بل قال الإمام الشافعي وقد سئل عن أقاويل الصحابة"نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح في القياس"، ولو كان الأئمة يكتفون بذكر الخلاف في كل مسألة لما عرف لإمام مذهب، نعم قد يذكرونه تقريرا وبحثا وردا كما كان يفعل الشافعي في الأم لكن لا يذكرونه أو لا يلزمونه من جهة الفتوى والحكم بل كانوا يذهبون بالمستفتي إلى ما يرونه راجحا باجتهادهم وما دل عليه الدليل في نظرهم، وهذا الإمام أحمد هو آخر الأئمة الأربعة لم يكن يقول لسائله: قال أبو حنيفة كذا وقال مالك كذا وقال الشافعي كذا بل يذكر الحكم ومستنده فحسب.
ولو قلنا في كل مسألة بوجوب ذكر الخلاف للسائل لكان صنيع فقهاء المذاهب جميعا على مر التأريخ في عماء، وهل تجد في مختصرات الحنفية أو فتاواهم إلا المذهب الحنفي (انظر مثلا الهداية والفتاوى الهندية) ، وهل تجد في مختصرات المالكية وفتاواهم إلا المذهب المالكي (مختصر خليل وفتاوى المعيار المعرب مثلا) ، وهل تجد في مختصرات الشافعية وفتاواهم إلا المذهب الشافعي (انظر: المنهاج وفتاوى السبكي قضاء الأرب مثلا) ، وهل تجد في مختصرات الحنابلة وتقريراتهم إلا المذهب الحنبلي (انظر الزاد مثلا؟ فهل خان علماء المذاهب أتباعهم حينما لم يذكروا لهم المذاهب الأخرى؟ كلا بل كانوا يفتونهم بما أراهم الله، نعم قد كان من الأئمة من يذكر الخلاف ولكن هذا في الفتاوى الكبرى والمطولات الفقهية والدروس العلمية ومع ذلك كانوا يذكرون الخلاف بالأدلة ويرجحون الراجح
(يُتْبَعُ)