فهرس الكتاب

الصفحة 26040 من 28557

الأمة من غيرها ولكن هذا لا يعني أن الرؤية السلفية تحارب الملك العضوض مادام قائما بشرع الله يقول ابن خلدون في مقدمته:"وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول إذا رأى القاسم بن محمد بن أبي بكر: لو كان لي من الأمر شيء لوليته الخلافة ولو أراد أن يعهد إليه لفعل ولكنه كان يخشى من بني أمية أهل الحل والعقد لما ذكرناه فلا يقدر أن يحول الأمر عنهم لئلا تقع الفرقة وهذا كله إنما حمل عليه منازع الملك .. إلى أن قال .. وإذا حصل وفرضنا أن الواحد انفرد به وصرفه في مذاهب الحق ووجوهه لم يكن في ذلك نكير عليه ولقد انفرد سليمان وأبوه داود صلوات الله عليهما بملك بني إسرائل لما اقتضته طبيعة الملك من الانفراد به"ولهذا فإن التيار السلفي يرى أن الملك العضوض تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه لا خروجا سلميا ولا عسكريا مادام هذا الملك العضوض أو الجبري لم يرتكب كفرا بواحا كما دل على ذلك صحيح السنة ويرى التيار السلفي وجوب الطاعة في غير معصية الله وليس كما لبس العبد الكريم بأن المنهج السلفي يفرض الطاعة حتى في المعصية ولكنه يمنع من الخروج عليه حتى وإن وقع في معصية دون الكفر بل ومهما كان من جور الحاكم فإن المنهج السلفي يرى الصبر عليه ويعتمد في رؤيته هذه على الدليل الشرعي الصحيح كما في البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من رأى من أميره شيئا فليصبر .."وفي رواية البخاري"من كره"وفي مسلم من حديث أبي سلام قال: (قال حذيفة بن اليمان: قلت يارسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال:"نعم"قلت:كيف؟ قال:"يكون بعد أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي .. الحديث إلى أن قال صلى الله عليه وسلم"تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع"والحاصل أن رؤية التيار السلفي هي بكل وضوح عدم الخروج على الحاكم لا سلميا كما يدعي إلى ذلك التيار الإصلاحي ولا عسكريا كما هي عقيدة الخوارج مادام الحاكم مسلما وما أقام الصلاة .."

وأما رؤية التيار الإصلاحي لأمر الدين فكما يعبر العبد الكريم بقوله:"الإصلاحيون متفقون على ولاية الأمة على نفسها فيرفضون وصاية الشيخ على الدين ووصاية الدولة على المجتمع"فهم يرون أن الدين حما مستباحا يتحدث فيه من شاء بماشاء متى شاء بينما الرؤية السلفية تختلف تمام الاختلاف حيث تقوم على قول الله سبحانه:"وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا" (النساء: 83) وقوله سبحانه:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (النحل: 43) فالرؤية السلفية أن العلماء هم ورثة الأنبياء وأنه لا يجوز لأحد أن يتكلم في دين الله بدون علم استنادا لقوله سبحانه:"قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" (الأعراف: 33)

والحاصل أن الإشكال عند التيار الإصلاحي هو في تفريقه بين الدين والدولة والذي يظهر لي أنه متأثر بما ذهب إليه علي عبد الرزاق في كتابه الإسلام وأصول الحكم والذي ألفه خوفا من تولي الملك فاروق للخلافة بعد أن سقطت في تركيا فتأثر به هذا التيار بشكل كبير بينما التيار السلفي يرى أن الدين والدولة مرتبطان فلا يمكن أن يقوم الدين بدون دولة تحميه وتحرسه والطريف أن بعض المعتزلة قد دعى إلى مثل هذه الدعوة حيث يرون أن الأمة إذا تواطأت على العدل وتحكيم الشرع لم تحتج لإقامة الدين إلى إمام وكان الذي دعاهم إلى ذلك كرههم للملك العضوض وما ورد فيه من ذم في النصوص الشرعية فكرهوا الملك لذاته مع أن الشرع لم يذم الملك لذاته ولم يحظر القيام به وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من الظلم والقهر والتمتع باللذات وهذه يحظرها

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت