والعنصر التاسع: حمل الكلام على مجازٍ في كلام الله لا يعني الكذب، أو أنه أخبر بشيءٍ غير صحيح سبحانه وتقدَّس، وإنما يعني أنه أخبر عن الحقيقة أو أمر بها بأسلوب مجازي تارةً وبأسلوب حقيقي تارة حسب لغة العرب التي مجازها أكثر من حقيقتها.
والعنصر العاشر: لا نفي في كلامي لإثبات حقيقة أن الله -سبحانه وتعالى- يتكلم، وأما كلامه سبحانه فهو ما صدر عن تكليمه .. وإنما نفيت هذا النفي؛ لأن كلماته الشرعية صادرة عن قوله حقيقة -جلَّ جلاله-، وكلماته الكونية تصدر عن قوله سبحانه: كن فيكون .. وتصدر عن فعله مباشرة، وتصدر عن تدبيره لجنده من عبيده وخلقه؛ فالكناية ليست نفيًا لحقيقة كلام الله؛ والاستعاذة بكلمات الله الكونية لا تقتضي الاستعاذة بكلماته الشرعية، ولا ينفي أن له كلمات شرعية .. وجعلتُ كلماته الكونية كناية عن بعض صفاته وبعض أفعاله الاختيارية كالمشيئة الصادرة عن كلماته حقيقةً، والصادر عنها مفعوله ومخلوقه الذي لا يستعاذ به.
والعنصر الحادي عشر: كون الكناية بين بين"ليست حقيقة خالصة، ولامجازًا خالصًا"قسمة لا يتصورها العقل ولاالواقع؛ بل الكناية مجاز، والمجاز حقيقة وجودية قُحَّة كما أسلفتُ.
والعنصر الثاني عشر: ما ذهبتُ إليه هو النتيجة الحتمية لما قرره علماء السلف من أن المخلوقات لا يُستعاذ بها؛ فالاستعاذة إذن صادرة عن صفاته المقدسة وعن فعله الاختياري من المشيئة والخلق، وليس عن مفعوله المخلوق.
والعنصر الثالث عشر: مسألة خلق القرآن لم يتعرض لها بحثي، ولكن لما تطرَّق هو لذلك فإنني أذكر ما أعتقده، وهو الجزم بثنائية خالق ومخلوق، وليس هناك تصور لقسمٍ ثالث غير خالق ولا مخلوق؛ فمسألة خلق القرآن أو عدم خلقه يترتب عليها ثنائية خالق أو مخلوق؛ لأنه لا يوجد طرف ثالث نتصوره غير ذينك، وهذه كارثةٌ في تاريخ فكرنا الإسلامي؛ فالمحقق أن القرآن ينزل، وأن كلامه -جل جلاله- مفعول صادر عن فعله بالتكليم، وقد وصفه ربنا بأنه محدث، (أي الكلام لاالتكليم) ، والله يُنزِّل مخلوقات من ملائكة كرام وأنعام .. وليس عندنا نص قطعي من الله على أن القرآن مخلوق أوغير مخلوق، وإنما ذلك استنتاجات علماء .. والمحقق أن صفة الله التكلم والتكليم، وفعله أنه يتكلم إذا شاء .. والكلام إذا استعمل بمعنى المصدر فهو صفة كالتكليم، وإذا كان اسمًا لما صدر من كلام فلا يكون صفة؛ ولهذا فالكلام الاسم كالقرآن لا يوصف به ربنا؛ فلا يقال إن القرآن من صفاته .. والأسلم للمسلم أن يتوقف في هذه المسائل، وفي هذا التوقف ينفي ما أوجبه توقفه مما يدَّعيه مدَّعٍ من أن القرآن خالق أومخلوق؛ لأنه لا نص توقيفيًا بذلك، والتوقف هو الأسلم؛ ولهذا يعظم الابتهاج للموقف الكريم للإمام أحمد -رحمه الله رحمة الأبرار- في رفض الدعوة الاعتزالية بأن القرآن مخلوق، وبعد هذا النفي نمسك عن إثبات معنى مغاير؛ لأن ذلك حكم بلاتوقيف .. وما أحسن ما كتبه في ذلك الإمامان الشوكاني والمقبلي في تفسير الآية الثانية من سورة الأنبياء.
والعنصر الرابع عشر: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات» ليس استعاذة بكلام الله الصادر عن تكليمه، وإنما ذلك صادر عن حقيقتين معًا هما تكليمه سبحانه وصفاته ذاتها وأفعاله من معاني ربوبيته.
والعنصر الخامس عشر: أوافق جدًا على اقتراح الأستاذ الفاضل، بأن كلمات الله تتضمن مشيئته وقدرته وتدبيره .. فهذا أمر لم أنفه ألبته، وإنما أثبتُّ الفرق بين حكم الاستعاذتين الكونية والشرعية .. هذا معتقدي الذي أدين لله به حسب ما ظهر لي يقينًا لا رجحانًا؛ فإن أصبتُ فمن الله وإن أخطأت فمن الشيطان، وشكرًا لأخي الكريم نصحه ومداخلته، والله المستعان.
وكتبه لكم:
أبو عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري
ــــــــــــــــــــ
الحواشي:
(1) انظر"المجلة العربية"، عدد ربيع الآخر عام 1423هـ، ص8.
(2) انظر"المجلة العربية"، العدد 300.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ ــــ
انظر المجلة العربية العدد332 السنة29 رمضان1425هـ نوفمبر2004م