فهرس الكتاب

الصفحة 2637 من 28557

ألم يقل الله تعالى في سورة المائدة: ?يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما? قالوا بلى، فأقام عليهم الحجة وألزمهم بهذه الأمور الثلاثة دون أن يطول النزاع ودون أن يتشقق، مع العلم أنه لو دخل معهم في الجزئيات فقد أوتوا جدلا، وسيطول الأمر ولن يقتصر على حد، ولذلك فما لم تبين النتائج من البداية وما لم تؤخذ الضوابط العامة قبل الدخول في النقاش فسيكون جدلا بيزنطيا لا نهاية له، لأنه كثيرا ما يؤدي أيضا إلى الخروج عن محل النزاع ويبقى النقاش في أمر آخر لا علاقة له بالموضوع، ويكون التنقل بين موضوع وموضوع آخر، وهذا النوع من المحذورات لدى الأصوليين، فالأصوليون عندما وضعوا قواعد الجدل جعلوا من أعظمها ما يتعلق بالتحكم والمصادرة والخروج من المسألة، أن تكون المسألة التي هي محل النزاع مثلا هل المسكر من غير العنب مثلا محرم أم لا، فإذا نوقشت هذه المسألة فتشعب النزاع حتى وصل إلى علة تحريم الخمر مثلا، هل هي الإسكار أو غير الإسكار فهذا خلاف في غير محل النزاع، ولا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة نفسها، وهكذا، فلذلك لا بد في ضوابط الخطاب الدعوي أن يكون متقيدا بأرضية صلبة للنقاش متفق عليها بين الطرفين، كذلك من ضوابط هذا الخطاب أن يكون أيضا على كل ما سبق متجردا فيه صاحبه من كل عواطفه وأهوائه، فالإنسان إذا كان يتصرف أو يقدم خطابه على أساس حميَّته أو غيرته فسيكون دائما متعصبا لمجموعته أو مدرسته وهذا مخالف لأدبيات الخطاب الدعوي العام، فلا بد أن يجتهد الإنسان في أن يكون خطابه الذي يقدمه مجردا من العاطفة، فلك ما تحب، وضع حبك حيث أردت، لكن مع ذلك لا تصادر آراء الآخرين ولا تصادر عواطفهم، واعلم أن الأمر أوسع مما ذكر، ولذلك أذكر أن اثنين قد تخالفا في مسألة من مسائل الدعوة قديما، فحضر شيخ من المشايخ فسمع كلامهما، فلما رأى حدة كل واحد منهما في رأيه واتباعه لعاطفته، قال: يا أخوي إن الجنة واسعة عرضها السماوات والأرض، فتتسع لأهل هذا الرأي ولأهل الرأي الآخر، فإذا أدرك الإنسان ذلك وتبين له أن مجرد المصادرة وأن يقال هذا هو القول الصحيح وهذا هو الذي نأخذ به وهذا الذي يراه فلان وفلان من الناس خرج المجال عن أن يكون خطابا دعويا مؤثرا بل أصبح تقليدا أعمى وأصبح تعصبا لطائفة أو لفريق من الناس، وأصبح كذلك مصادرة كما يحصل لكثير من المتعصبين فتسمع أحدهم مثلا يقول: الحافظ ابن حجر ليس من أهل السنة، وقد سمعت بعض من سئل عن الحافظ بن حجر فقال ليس من أهل السنة فسألته فقلت: ما هي السنة يا أخي، قال: قول النبي r وفعله وتقريره، قلت: إذا كان الحافظ ليس من أهل قول النبي r ولا فعله ولا تقريره فلست أنت منهم قطعا، فلذلك لا بد أن يدرك الإنسان هنا خطر المصادرة، وخطر عدم التجرد من العاطفة، كذلك في هذا المجال أيضا لا بد أن يعلم الإنسان التفريق بين ثوابت الشرع ومتغيراته، لا بد أن يعلم أن الشرع منه وحي منزل معصوم، ومنه آراء رجال تقبل الصواب والخطأ، وهذه الآراء ليست مسلمة بالضرورة في كل شأنها، بل هي خاضعة للنقاش كما قال مالك: رحمه الله: ما منا أحد إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، وسامحونا فقد عاملناكم بذكاة الحية بقطع رأسها وذنبها، مضطرين إلى ذلك ولعل العوض إن شاء الله في الدروس القادمة.

ـ [أبو مارية الصغرى] ــــــــ [06 - Jul-2008, صباحًا 12:50] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاك الله خيرًا فالعلامة محمد الحسن من كبار علماء الأمة على صغر سنه يحفظه الله تعالى

ومحاضرته قيمة جدًا

ـ [خلوصي] ــــــــ [07 - Jul-2008, صباحًا 05:32] ـ

جميل جدا ... بارك الله فيكم أخي الكريم .... و جعلكم مفاتيح للخير مغاليق للشر.شكرا لك ... بارك الله فيك ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت