فهرس الكتاب

الصفحة 26407 من 28557

وقد عرضت لبعضهم شبهة تتعلق بهذه القضية حاصلها أن هارون عليه السلام اعتذر لموسى لما عبد قومه العجل بأنه خشي أن يقول فرق هارون بين بني إسرائيل، فكأنهم ظنوا أن هارون تركهم وشأنهم في عبادة العجل لأنه خشي إن دعاهم أن يتفرقوا!

وهذا فهم لم يسبق مدعيه أحد من أهل العلم، وقد غفل عن سياق الآيات وتشبث بحرف على طريقة المستدلين بويل للمصلين!

ومن نظر أدنى النظر في سياق القصة وتفكر لابد أن يقر بأمرين مهمين:

1 -الأول: بذل هارون عليه السلام وسعه مع القوم ليصدهم عن عبادة العجل فدعاهم لتوحيد الله -الذي يريد هؤلاء أن يكف الناس عن الدعوة إليه- وأنكر عبادتهم العجل كما قال تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه:90] .

2 -والثاني: أن هارون عليه السلام لم يتمكن من التمادي في الإنكار باليد، ولم ير من الحكمة مفارقة القوم لسببين ذكرهما في مقام واحد وهو مقام تعنيف موسى عليه السلام له -وحسبك بتعنيف موسى دليلًا على أن مفارقة المشركين واجبة ناهيك عن دعوتهم-:

• الأول: {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه:94] .

• والثاني في سورة الأعراف في نفس الموقف: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف:150] .

فهارون عليه السلام بلغ به الإنكار معهم مبلغًا خشي أن يقتل بعده، فالقوم قد عصوه، وخالفوا أمره وهو قد بذل غاية جهده ولم يبق إلاّ أن يقتل.

فإن فارقهم في تلك الحال واتبع موسى بعدد قليل فلن يأمن بقاء أولئك، فيتفرقون على شركهم فيتأصل فيهم ويستشري في نسلهم، فكان من حكمته أن بقي مقيمًا معلنا الإنكار حتى يرجع موسى عليه السلام ليعين على معالجة الأمر ورد القوم إلى ربوع التوحيد، وهو لم يزل باذلا جهده في نصحهم، داعيًا إلى التوحيد غير مقر بالشرك أو راض عنه.

ومن هنا تعلم سقوط الشبهة التي ذكرها من ادعى بأن وحدة الصف الإسلامي أهم من قضية التوحيد، وأن هارون سكت خشية التفريق بين القوم مع عبادتهم العجل! فهارون ما سكت إلاّ لما خشي القتل بنص آية الأعراف، ولم يفارق لأن فراقه لن تترتب عليه مصلحة بخلاف بقائه، وليس شأن الخلاف في المستضعف الذي يخشى القتل لو أنكر الباطل، ولكن الخلاف في شأن الذي يقرر طوعًا واختيارًا أن للمشرك وعابد العجل والملحد من الحق ما للمسلم من حقوق المواطنة وأن جميعهم تسعهم الوحدة الوطنية، وأن الدعوة للتوحيد لا داعي لها، فقائل هذا لم يحتج بصنع هارون عليه السلام وإنما هو محتج بالسامري الذي لم ير غضاضة فيما أنكره النبيان الكريمان!

(1) أخرجه البخاري (7054) . ومسلم رقم (1849)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت