فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] .
{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 63] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] .
قال ابن القيم تعليقًا على هذه الآية:"فحذر المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجهر بعضهم لبعض."
وليس هذا برِدّة، بل معصية تحبط العمل، وصاحبها لا يشعر بها فما الظن بمن قدَّم على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه وطريقه قول غيره وهديه وطريقه؟!
أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟" (3) ."
ويذكر أن أبا حنيفة رحمه الله، قال لابن أبي ذئب الإمام المشهور: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ يريد حديث:"من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إن أحب أخذ العقل، وإن أحب فله قود". قال: فضرب صدري، وصاح علي صياحًا كثيرًا ونال مني وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به؟! .. نعم، آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه، إن الله اختار محمدًا من الناس فهداهم به وعلى يديه، واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك.
قال: وما سكت حتى تمنيتُ أن يسكت.
وقال الحميدي: روى الشافعي يومًا حديثًا فقلت: أتأخذ به؟
فقال: رأيتني خرجت من كنيسة أو عليَّ زُنَّار [وهو من لباس النصارى والمجوس يحزمون به وسطهم] حتى إذا سمعت عن رسول الله حديثًا لا أقول به؟!
وسُئل الشافعي عن مسألة فقال: رُوي فيها كذا وكذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال السائل: يا أبا عبد الله، تقول به؟
فارتعد الشافعي وانتفض وقال: يا هذا، أي أرضٍ تقلُّني، وأيُّ سماءٍ تظلُّني إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا فلم أقل به؟ نعم، على السمع والبصر.
قال أحمد بن حنبل: من رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة.
قال البربهاري في عقيدته التي كتبها في السنة: إذا سمعت الرجل يطعن في الآثار أو يريد الآثار، فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع.
وقال أبو القاسم الأصبهاني المعروف بقوام السنة: قال أهل السنة من السلف: إذا طعن الرجل على الآثار، ينبغي أن يتهم على الإسلام.
والمقصود لا يتحقق الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا، مع ازدراء سنته والاستخفاف بها، لا يكون الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا إلاّ مع تعظيم السنة ومعرفة قدرها كما مر في كلمة ابن القيم وكلمة ابن رجب.
وأنتم يا من أنعم الله عليكم بتعظيم السنة احمدوا الله على ما وفقكم له، فقد كان السلف رضوان الله من لدن الصحابة يحمدون الله على التوفيق إلى ما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث بعث معاذ إلى اليمن، وفي بعض ألفاظه قال:"قَالَ: فَإِنْ جَاءَك أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ نَبِيُّهُ وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: أَؤُمُّ الْحَقَّ جَهْدِي، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْضِي بِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم" (4) .
(1) سير أعلام النبلاء 4/ 472.
(2) رواه أبو داود (4607) .
(3) الوابل الصيب ص24.
(4) ينظر مصنف ابن أبي شيبة 7/ 239 (23443) .
نشر بتاريخ 09 - 08 - 2010