حصول حرج ومشقة تنافي مقصد الشريعة
ولأجل ذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية بصيرًا بأمر عموميات المقاصد حين قال: (فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر) [5] . فهذه المقاصد الكلية تتسم بالعمومية المطلقة التي يشترك فيها عامة الناس، فاختصاص الشريعة إنما يكون بتفصيل هذه المقاصد وشرحها وتقييدها فإذا ألغى الإنسان الاعتبار بها لم يكن قد أخذ من الشريعة بشيء.
وهكذا تغيب أحكام الشريعة الجزئية، بسبب مخالفتها لمقاصد (النفوس) - كما يسميها بعض الفضلاء - فهي مقاصد لما تريده نفوسهم وأهواؤهم وما يتوافق مع شهواتهم جعلوها قواعد كلية تحاكَم إليها النصوص والأحكام الفقهية، وتلك (النفوس) تكاد تُحصَر مقاصدها في الجانب الدنيوي المحض، وهو ما يختلف تمامًا عن المقاصد الشرعية المستفادة من نصوص الكتاب والسُّنة التي تدلك على أن (الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية) [6] .
بل إن المصالح الدنيوية تابعة للمصالح الأخروية؛ فـ (المصالح المجتلَبة شرعًا والمفاسد المستدفَعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية) [7] .
وإذا كانت إشاعة علم المقاصد الشرعية ضروريةً في مرحلةٍ ما لشيوع التعصب والجهل والتضييق على الناس، فإن المبالغة في تقرير المقاصد الشرعية وإشاعتها وتعظيم قدرها وضرورتها عند عامة الناس - وقد اختلف الحال - سيكون على حساب تعظيم النص الشرعي والانقياد له، وسيكون سببًا لظهور مقاصد النفوس لتُشِيع عبثَها وانحرافَها بدعوى (مقاصد الشريعة) .
ـــــــــــــ
[1] الموافقات للشاطبي: 2/ 556.
[2] الموافقات: 3/ 8.
[3] الموافقات: 3/ 9.
[4] الموافقات: 1/ 78.
[5] منهاج السنة النبوية: 5/ 130.
[6] الموافقات: 2/ 350.
[7] الموافقات: 2/ 351.
ـ [أمة القادر] ــــــــ [18 - Sep-2010, مساء 11:22] ـ
جزاكم الله خيرا و أثابكم
و حبذا تكبير الخط بوركتم