فهرس الكتاب

الصفحة 26896 من 28557

وإذا كان هؤلاء مطعونًا فيهم منقومًا عليهم لكونهم أثبتوا حقائق الصفات لله تعالى، فالسلف كلهم على هذه العقيدة التي عجز المؤلفان أن ينقلا حرفًا واحدًا يدل على خلافها، في مقابل مئات النصوص الدالة على ضد ما ذكرا.

وإما إذا كان الطعن فيهم بسبب حطّهم على الأشاعرة، فقد أفضت في نقل نصوص الأئمة في تبديع الكلابية والأشاعرة في الباب الخامس من هذا الكتاب، منهم: الإمام أحمد، وأبو حاتم الرازي، وأبو العباس بن سريج الشافعي، وابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السرّاج، وابن عبد البر وغيرهم كثير من الأئمة المتقدمين والمتأخرين من أئمة المذاهب. وجمعٌ لا يُحصون كثرة من طبقة الإمام أحمد ذكرهم أبو القاسم الأصبهاني بأسمائهم.

فهل نُسقط هؤلاء أيضًا ونُلحقهم بمن سمّيا؟!!

الوقفة الحادية عشرة: لقد أكّد المؤلفان ما بيّنته في كتابي من اتفاق الأشاعرة والمعتزلة على أن القرآن الذي بين أيدينا مخلوق، فقد صرّحا بذلك حيث قالا: (وإذا كان المراد به -أي القرآن- ما يُعبّر به ويدلّ على المعنى القائم بذات الله تعالى، كالحرف والصوت والرسوم والرقوم والجلد والمداد، فهذا لا خلاف في كونه مخلوقًا. على أنه لا يجوز إطلاق القول: بأن القرآن مخلوق. أولًا: لبشاعة اللفظ الدالة على الجرأة على الله تعالى. وثانيًا: لخشية الإيهام والالتباس الذي قد يقع في ذهن من لم يُحط خُبرًا بحقيقة المسألة) .

وقولهما هذا هو عين قول المعتزلة في القرآن الموجود بين أيدينا؛ المكتوب في المصاحف والمحفوظ في الصدور، والمقروء في المساجد والمحاريب.

وهذا القول في حقيقته تكذيب لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ومخالف لما أجمع عليه السلف من أن القرآن الذي بين أيدينا هو كلام الله تعالى حروفه ومعانيه.

والآيات الدالة على بطلان قولهما كثيرة جدًا، فمنها قوله تعالى: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) [الأنعام:19] ، (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) [يونس:73] ، (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [الإسراء:9] في آيات كثيرة أشار الله تعالى إلى القرآن باسم الإشارة.

و (هذا) اسم إشارة إلى القرآن الموجود بين أيدي الصحابة المحفوظ في صدروهم المسموع بآذانهم، لا إشارة إلى ما في نفس الله تعالى مما لا يُسمع وليس بحرف ولا صوت.

وقد تحدى الله المشركين بعجزهم عن الإتيان بمثله لأنه كلام الله الذي ليس كمثله شيء. فقال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) [الإسراء:88] . والإشارة هنا إلى القرآن الموجود بين أيدينا.

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُمس القرآن إلا على طهارة لأنه كلام الله فقال «لا يمس القرآن إلا طاهر» . كما نهى أن يُسافر به إلى أرض العدو خشية أن تناله أيدي الكفار، كل ذلك لكونه كلام الله تعالى ليس عبارة عنه ولا حكاية.

وقد أجمع السلف على أن القرآن الذي بين أيدينا كلام الله غير مخلوق، وعلى إكفار من قال بخلقه، وليس مرادهم بالقرآن كما يزعم المؤلِّفان ما في نفس الله تعالى قطعًا.

قال الطبري في بيان عقيدة السلف في القرآن: (إنه كلام الله غير مخلوق، كيف كُتب، وحيث تُلي، وفي أي موضع قُرئ، في السماء وُجد، وفي الأرض حيث حُفظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا، وفي ألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا، في حجر نُقش، أو في ورق خُط، أو في القلب حُفظ، وبلسان لُفظ، فمن قال غير ذلك أو ادعى أن قرآنًا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه أو قاله بلسانه دائنًا به فهو بالله كافر حلال الدم بريء من الله، والله منه بريء بقول الله عز وجل(بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) [البروج:23] ، وقوله الحق عز وجل: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) [التوبة:6] فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد مسموع وهو قرآن واحد؛ من محمد مسموع، وفي اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو) ا. ه. [صريح السنة ص17]

ومن لم يُفرّق بين كلام الله تعالى المكتوب في المصاحف، وبين الحبر والمداد والورق فهو أضل من حمار أهله!.

ثم إن هذا القول متناقض، فكيف يزعمان أن كلام الله تعالى هو ما قام بنفسه، وهو معنىً لا يُسمع، وليس بحرف ولا صوت، ثم مع هذا يُسميانه قرآنًا، وهل القرآن إلا مصدرٌ من قرأ يقرأ قراءةً وقرآنًا نحو كُفران ورُجحان، فالقرآن مصدرٌ كالقراءة، ولا يكون قرآنًا إلا مقروءًا، ولا يكون مقروءًا إلا مكتوبًا مركبًا من الحروف.

والقراءة في أصلها الجمع والضم للحروف، وهو أصل كلمة"قرأ".

قال الراغب الأصفهاني: (والقراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، ... ، ويدل على ذلك أنه لا يُقال للحرف الواحد إذا تفوه به قراءة) . [مفردات القرآن ص402]

وعلى هذا فلا يصح أن يوصف المعنى بالقراءة، وإنما يُقال"فهمت المعنى"، ولا يُقال"قرأت المعنى".

وهذا ظاهرٌ في بيان تناقض الأشاعرة، وإنما الذي قادهم إلى ذلك إرادة الجمع بين معتقدهم في كلام الله وأنه ليس بحرف ولا صوت، وبين ما جاء من إطباق السلف في أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فولّدوا هذا القول المتناقض فسمّوا كلام الله قرآنًا مع زعمهم بأنه معنىً، ليس بحرفٍ ولا صوت، ولا يُسمع، ولا يُقرأ، ولا يُكتب، وإنما يُعبّر عنه.

هذه بعض الوقفات السريعة على بعض ما جاء في مقال المؤلِّفَيْن والحوار الذي أجرياه من غير استيعاب لأخطائهما.

وستخرج قريبًا الطبعة الثانية من كتاب «الأشاعرة في ميزان أهل السنّة» والتي تميزت عن سابقتها بتصويب الأخطاء المطبعية وغيرها، كما تم إعادة صياغة بعض العبارات لتكون أدلّ على المراد، ولم يتم إضافة شيء يُذكر سوى نقولاتٍ يسيرة عن بعض السلف، وزيادة بعض أوجه الردّ على بعض شبهات المؤلِّفَيْن.

والله نسأل أن يُريَنا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويُريَنا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فَنَضِل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت