وقال -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) (فاطر: من الآية13) ، والقطمير: هو الغلاف الرقيق الذي تراه على نواة التمر، فكل مَنْ تدعون مِن دونه ما يملكون من قطمير، (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر:14) ' فأقام سبحانه الدليل على عدم جواز دعاء أحد من دونه بأن هذا المدعو لا يملك شيئًا، فجعل الدليل على توحيد الألوهية وهو توحيد العبادة بتوحيد الربوبية وهو معنى الملك هنا، فالله -عز وجل- له المِلْك وله المُلْك، (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) ، فبالتالي كيف تدعونهم من دون الله؟!
وقال -عز وجل- في الآية الأولى: (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَار) (يونس: من الآية31) ، فليس مالكًا للذوات فقط بل مالكٌ للصفات أيضًا، ومالكٌ للأفعال، يملك السمع والأبصار، فالإنسان يسمع ويبصر، والله -عز وجل- يقدر أن يمنع ذلك العبد سمعَه وبصَره، فيأخذه منه، والعبد لا يملك، ولو تأمل العبد في نفسه لوجد هذا المعنى واضحًا جدًا، ذلك أنه يجد نفسه في يوم من الأيام قد زال عنه شيء من سمعه أو شيء من بصره أو شيء من يده أو رِجله أو حركته، فلا يستطيع الإنسان أن يمنع ذلك طوال فترة حياته.
والدليل على ذلك في نشأته الأولى، أول ما نشأ الإنسان من أين أتى له السمع والبصر؟! وقد كان عدمًا محضًا، وكان نطفة من ماء مهين، كل منا وجد نفسه يسمع، ووجد نفسه يبصر، ومن الناس من وجد نفسه أعمى، فالله هو الذي يملك كل شيء -سبحانه وتعالى-.
ولذلك من مظاهر الشرك في الربوبية أن يعتقد الإنسان أنه يملك نفسه، وهذا من أخطر مظاهر الشرك في قضية المِلك والمُلك أن يظن الإنسان نفسه حرًا، ويقول: أنا حر، فيظن نفسه حرًا مع أوامر الله -سبحانه وتعالى- إن شاء قَبِلَهَا وإن شاء رَدَّها، حتى جعلوا حرية الكفر والطعن في الدين من أساسيات حقوق الإنسان ـ بزعمهم ـ وهذا من أخطر المعاني الموجودة حاليًا في هذا المقام، وهو ظنهم أن الإنسان مالك لنفسه، وبالتالي فلا سلطان لأحد عليه، ويتصرف في سمعه وبصره وجسمه كما يريد، وهذا منبعه من اعتقاد أنه يملك، ولو اعتقد أنه مملوك لتصرف في جسمه تصرف المملوك الذي لا يتصرف إلا بإذن مالكه.
ونذكر مثالًا على ذلك:
لو أن إنسانًا يُفَوَّض من قِبَل مالك للمال، ويقول له صاحب المال إذا جاءتك ورقة موقعة مني فاصرف منه وإلا فلا، فقد يكون تحت يده أموال كثيرة، ولكنه لا يتصرف فيها إلا بأمر مالكها ولو تصرَّف فيها بغير ذلك لاستحق العقاب الشديد، بل أشد أنواع العقاب، لأنه تَصَرَّف تصَرُّف المالك فيما لا يملك.
فالعبد الذي أعطاه الله السمع، والبصر، والحياة، والعقل، والبدن، واليد، والرجل، والبطن، والفرج، لو قال: أنا حر في هذه الأشياء فهذا اعتقاد باطل، وهو ما يفعله كثير من الناس إذا قلت لهم:اتقوا الله، وصلوا وصوموا، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، والتزموا بالحجاب، فيقولون: نحن أحرار، فهذا كذب وادعاء ما ليس لهم، لأنهم لم يَهَبُوا أنفسهم هذه الأشياء، فكيف يقول قائلهم: أنا حر؟! وكيف يتصرف تصرُّف المالك وهو مملوك؟!
ولذلك فالعبد يرى نفسه فقيرًا مع الله -عز وجل-، ومن يَرَ نفسه غنيًا مستغنيًا عن ربه -سبحانه وتعالى-فإنه يطغى ويَكْفُر، وكذلك الذي يرى أن المال ماله، وليس مال الله الذي أعطاه إياه، فهذا من أسباب كفره، ولذلك كفر صاحب الجنة، الذي قال لصاحبه: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا(35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) (الكهف: 35 - 36) ، وليس كفره لإنكار البعث فحسب، إنما كَفَرَ قبل ذلك لإنكار مُلْكِ الرب -سبحانه وتعالى-وغناه، وظن نفسه غنيًا عن الله -عز وجل- وظن أن هذه الجنة تقوم بنفسها، وأنه لا يحتاج إلى أحد لأنه مالك لها، وغرَّه أنه يتصرف في ثمارها كل سنة وأنها تجري على عادة معينة دون انقطاع، فقال: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا(34)
(يُتْبَعُ)