فهرس الكتاب

الصفحة 27282 من 28557

أمّا كونُ بعض أحاديثِ الحوض قد ذكرت مَن يُذاد عنه:"لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي"،"لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي"، فهذا لا يعني أصحاب النّبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الذين جاهدوا ونصروا، وإنّما هم المنافقون المعدودون من أصحابه ظاهرا، فقد ثبت عند مسلم (رقم: 2779) عَنْ قَيْسٍ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ أَوْ شَيْئًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ أَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ ?لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ? ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ وَأَرْبَعَةٌ لَمْ أَحْفَظْ مَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِمْ"، وفي رواية"قَالَ: إِنَّ فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا ?لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ? وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا ?حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ? ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ". وقصّة المنافقين مع النّبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مذكورة في القرآن الكريم مفصّلة، وقصّة عَبْد اللهِ بْن أُبَىّ المنافق في إشاعة الفتنة معروفة حتى"قَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم -"دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" (متفق عليه) .

وبعد هذا كلّه نقول للأستاذ بالله عليك، كم بقي من الصّحابة الذين ينجون من النّار؟! قليل القليل!!! أيّ دين هذا الذي قليل القليل من حملته ومؤسِّسي جماعته الأولى فقط يدخلون الجنّة، وأغلبيتهم حصبُ النّار، إنّهم بلّغوا لنا الكذب - إذن - عن رسول الله - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام-، فكيف نثق بقرآن بلغنا عن أهل النار، وسنّة حملها أهل النار للأجيال اللاحقة! أما ترى معي أيها الأستاذ المثقف أنّ اختيارك الإسلام من هذه الوجهة هو اختيار غير موفق ..

من لوازم قوله السّابق أنّ عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين - رضي الله عنهم - من هؤلاء المحرومين من أن يردوا الحوض! فربّما يتنبّه الأستاذ إلى القول أنّ هؤلاء قد ثبت في حقّهم البشارة بالجنّة وهم أحياء، فلا يشملهم الوعيد، وهو معتقدُ أهل السنّة، وحينئذ نقول: قد ثبت مثلُ ما ثبت لأمير المؤمنين عليّ وسبطي النّبي - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - من البشارة بالجنّة لأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وأبي هريرة وعائشة .. وأصحاب بدر وأصحاب الشجرة ... - رضي الله عنهم -. ورحمة الله على إمامنا مالك بن أنس القائل"مَن يبغض أحدًا من أصحاب النّبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وكان في قلبه عليهم غلّ، فليس له حقّ في فَيْء المسلمين، ثم قرأ: ?مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? إلى قوله: ?وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ? (الحشر: 7 - 10) . وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقرأ مالك هذه الآية: ?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ? (الفتح: 29) ثم قال: مَن أصبح من النّاس في قلبه غلّ على أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقد أصابته هذه الآية". (الأمر بالإتباع والنّهي عن الابتداع للسيوطي، ص: 4)

9 -يزعم الأستاذ أن أبا العباس أحمد بن تيمية يقول في كتابه"رفع الملام عن أئمة الأعلام": أنّ خلفاء بني أمية في الجنّة، وهذا الكلام غير موجود لا في هذا الكتاب، ولا في غيره من كتب الشيخ، ولا في أيّ من كتب أهل السنّة، ولا أرى هذه التُهمة إلاّ من بنات خيال الأستاذ المحترم، وهو لا يقف عند هذا الحد بل يتّهم علماء أهل السنّة بالتبرير للواقع المنحرف الذي يعيشه المسلمون، فقد برّروا للظلم الأوّل في دولة بني أُمية وبذلك يبرِّرون للانحراف في هذا العصر، يُبيحون الدماء والأموال والفروج، ويُمنَُّون الزناة واللوطيين والسُحّاق بالجنّة ..

عذرا .. فالمقام لا يليق بهذا الحضيض، ولكنّي أوردتُ هذا الكلام لا للردّ عليه، لأنّه لا يستحقّ الردّ، ولكن ليظهر المستوى المنحط في التّعاطي مع القضايا التاريخية أو الفقهية ...

انتهى منه صبيحة يوم الخميس 16 رمضان 1431هـ

الموافق لـ 26 أوت 2010م

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت