فهرس الكتاب

الصفحة 27341 من 28557

ولا بد من أن نسأل أنفسنا على ماذا تدور المفاوضات والاختلافات ومن ثَمَّ القتال؟ فهل ذلك من أجل دويلة فلسطينية أعلن أصحابها أنها علمانية , وأعلن آخرون عن تأييدهم لها , وأعلن آخرون حينا هكذا وحينا هكذا! هل كان ذلك كله من أجل دويلة ُأعلِن بوضوح أنها مجردة من الجيش والسلاح ومن التدخل بالسياسة الخارجية وغير ذلك مع الاعتراف الرسمي الدولي بدولة اليهود وحقهم في فلسطين؟ وهل بذلك يكون القتال في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله لتكون هي العليا؟ أمن أجل دويلة علمانيّة يُفجّر المسلم نفسه؟!

يبدو أن اعتراف بعضهم بدولة اليهود أصبح حقيقة , وأن ما يجري حولنا يقوم على هذا الأساس , وأن تقدير الأمور يعتبر أن هذه حقيقة مسلّمة , على أساس ذلك تدور المفاوضات , وعند الاختلاف يدور القتال ليقنع أحد الطرفين الطرف الآخر.

لقد بيَّنتُ قبل أكثر من أربعين عامًا أن القبول بدويلة فلسطينية مع الاعتراف بدولة اليهود في فلسطين , أمر ليس في صالح المسلمين , ولا يحلُّ من الناحية الشرعية. ثمَّ بيَّنتُ ذلك في اكثر من كتاب أو مقال أو لقاء. ولم يكن هذا رأيي وحدي ولكن الهيئة العربية العليا لفلسطين كان هذا هو رأيها أيضًا. وكذلك كان هنالك آخرون يرون الرأي نفسه. ولكن هذا الرأي طُوِيَ , والتفَّ الكثيرون حول الرأي الآخر صراحة أو ضمنًا.

وعلى أساس هذا الرأي الآخر قامت منظمة التحرير , وقام النهج الذي سارت عليه , بالرغم من أن ميثاقها الذي تبدل فيما بعد كان غير ذلك. وقد نالت التأييد الجارف خلال أكثر من ثلاثين عاما , التأييد الشامل من معظم قطاعات الأمة , التأييد الذي قادنا إلى النتيجة الحالية. والمعارضة التي ظهرت في اللحظات الأخيرة بعد تأييد طويل وتعاون كبير ظاهر ومخفي لم تكن أكثر من تنافس في الساحة , حيث لم يكن أحد لديه نهج أو خطة لتحقيق الشعارات التي تغنّى بها هؤلاء وهؤلاء.

ونسأل ثانية وثالثة ما هو هدف القتال الحالي , إذا لم تُستَنْفَر الأمة كلها؟ ما هي الأهداف التي سارت القضية عليها وإليها في مسلسل التنازلات من خلال أعمال شدَّت الجماهير إليها , وصفَّق لها الكثيرون وأيَّدها الكثيرون , وسيق الناس من خلالها إلى الموقف الحالي , تدور فيه المفاوضات والقتال وكأن إسرائيل حقيقة مقبولة وأن غاية ما نرجوه ونقاتل من أجله هو دويلة لا جيش لها ولا أي تدخل بالسياسة الخارجية وحكم علماني صريح معلن عنه أشد الإعلان ونال أشد التأييد؟ فهل القتال يدور اليوم من أجل ذلك؟ وهل نتيجته العملية الاعتراف الصريح بإسرائيل وحقها ووجودها على مستوى محلي ومستوى دولي؟ هل المسلمون الآن يعون أبعاد المعركة مع اليهود وأبعاد الموقف الحالي؟ هل يعي المسلمون أننا بتنازلاتنا نعطي اليهود الفرصة لتهديد العالم العربي والعالم الإسلامي؟ إلى أين تسير الأحداث؟

بعد حادثة تل أبيب الأخيرة , أعلن كثيرون أنَّهم لن يسكتوا إذا اعتدى اليهود على أراضي السلطة , وأنهم لن يوقفوا الانتفاضة إلا بعد أن ينسحب اليهود من أراضى الدولة الفلسطينية. أليس هذا اعترافًا واضحًا بدولة اليهود من جميع من صرّح بذلك، وجميعهم صرّحوا؟ وأين الفتوى الشرعية بالاعتراف بدولتهم؟ أليس هذه تنازلًا عن الأهداف المعلنة؟!

13 -اتساع الخطر اليهودي وامتداده:

لقد وضح الآن , بصورة تنفي الشك , أن خطر اليهود أصبح يهدد العالم العربي والعالم الإسلامي. ولقد سبق أن أعلن اليهود عن مطامعهم , وأعلنوا المخططات التي تمثل هذا الخطر. ولكنه الآن لم يَعُدْ مخطَّطات , وإنما زحف مدبَّر!

ونكرر تحيّتنا لكل من جاهد في سبيل الله، بنيَّة خالصة لله , خاضعًا لشرع الله، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يصلح حال المسلمين جميعًا. إن المسلمين اليوم محاسبون بين يدي الله سبحانه وتعالى عن التقصير في هذه القضية وترك فئة لا تستطيع وحدها مجابهة أعتى دولة في المنطقة وأخطر مكر وكيد , تسنده الدول الكبرى كلها! إننا لانُقِرُّ تفرُّق المسلمين شيعًا وأحزابًا , ولا إدبار المسلمين عن أن يكونوا أمة واحدة , ففي ذلك إثم عظيم جدًا , دونه آثام كثيرة. وقد يغفر الله لمن قتل نفسه دون أن يعلم حُرْمة ذلك , ولكن هل يغفر الله لمن تفرَّقوا وهانوا وأدبروا عن الجهاد في سبيل الله؟

إن الخطر لم يَعُدْ محصورًا في فلسطين وحدها , وإنما أصبح خطرا ًيهدِّد كلَّ أرض إسلامية ‍‍. ولم يعد الواقع يكفيه شعارات ومواقف جزئية آنيَّة ولا بطولات فرديَّة , وإنما يحتاج إلى يقظة شاملة , وخُطَّة كاملة , ونهج ممتدٍّ متكامل , لينبع ذلك كله من منهاج الله ويرتبط به.

ولقد سبق أن أوضحنا ذلك كثيرًا بكل وسيلة تيسَّرت: في كتب ومقالات وندوات ومؤتمرات , نثرًا أو شعرًا , ونصحنا ما وسعنا النصح وعلى أوسع مدى استطعناه , حتى نعذر أنفسنا بين يدي الله سبحانه وتعالى. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ‍‍‍. وإننا نقدِّم هذه النصيحة اليوم ونحن نحمل الودَّ الصافي الصادق للمؤمنين جميعهم , وسنظلُّ نقدم رأينا بوضوح وجلاء على أساس من الكتاب والسُّنَّة , نصحًا خالصًا نبتغي به وجه الله سبحانه وتعالى , ولنعذر أنفسنا بين يدي الله.

والحمد لله رب العالمين

الأربعاء 22/ 2/1422هـ

الموافق 16/ 5/2001مـ

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ

(1) من الحديث الذي يرويه العرباض بن سارية. أخرجه: أبو داود:34/ 6/4607 , الترمذي: 42/ 16/2676, ابن ماجه: المقدمة: 35.

(2) رواه البخاري:96/ 21/7352، مسلم: 30/ 6/1716، الترمذي:13/ 2/1326 أبو داود: 18/ 2/3574،ابن ماجه: 49/ 3/3581، صحيح الجامع الصغير وزيارته رقم: 493.

(3) مسلم: 1/ 47/175.

(4) مسلم: 1/ 47/176.

(5) نفس المصدر.

(6) التوبة: 115.

(7) البقرة: 195.

(8) رواه أبو داود و الترمذي والنسائي وآخرون.

(9) رواه الطبراني في الصغير والوسط والكبير، وابن عدي في الكامل وغيرهما، والألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (رقم 39130) .

(10) رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة. والألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم:6417.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت