فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وفي الجملة فكلٌّ من المشتركين في مفعولٍ فأحدهما مفتقرٌ إلى الآخر في وجود ذلك المفعول، محتاجٌ إليه فيه، وإلّا لم يكونا مشتركين، لأن كلًّا منهما إما أن يكون مستقلًّا بالفعل منفردًا به أو لا يكون:
* فإن لم يكن مستقلًّا منفردًا به: لم يكن المفعول به وحده بل به وبالآخر، ولم يكن هو وحده كافيًا في وجود ذلك المفعول، بل كان محتاجًا إلى الآخر في وجود ذلك المفعول، مفتقرًا إليه فيه، وهذا يقتضي أنه ليس ربّ ذلك المفعول ولا مالكه ولا خالقه، بل هو شريكٌ فيه، ويقتضي أنه لم يكن غنيًّا عن الشريك في ذلك المفعول، بل كان مفتقرًا إليه فيه محتاجًا إليه فيه، وذلك يقتضي عجزه وعدم قدرته عليه حال الانفراد أيضًا، كما نبهنا عليه من أن الإنسان لا ينفرد بما شاركه فيه غيره إن لم يتغير تغيرًا يُوجِب تمامَ قدرته على ما شاركه فيه الغير.
* وإن كان مستقلًّا به منفردًا به: امتنع أن يكون له فيه شريكٌ أو معاونٌ، وذلك أنّ الفاعل إذا كان حال الانفراد قادرًا تام القدرة، والتقدير أنه مريدٌ للمفعول إرادةً جازمةً (2) لوجبَ وجودُ المفعولِ به وحده، ووجودُه به وحده يمنع وجودَه بالآخر، فيلزم اجتماع النقيضين، وهو"وجود المفعول به وحده، وعدم وجود المفعول به وحده"و"أن يكون فاعلًا غير فاعل"وذلك ظاهر البطلان.
بيان الفرق بين هذا التمانع ودليل التمانع الذي استدل به متأخرو المتكلمين:
وهذا التمانع ليس هو أنّ كلّ واحدٍ من الفاعليْن يمنع الآخر، كما يُقال إذا أراد أحدُهما تحريكَ جسمٍ والآخرُ تسكينَه؛ أو إماتةَ شخصٍ والآخرُ إحياءَه، وإنما هو تمانعٌ ذاتيٌّ وهو: أنه تمانعُ اشتراكِ شريكيْن تامَّيْ القدرةِ والإرادةِ في مفعولٍ هما عليه تامَّا القدرةِ والإرادة.
فإنّ من كان على الشيء تام القدرة، وهو له تام الإرادة، وجب وجود المفعول به وحده ..
وإذا كان الآخر كذلك وجب وجود المفعول به ..
وهذان يتتابعان ويتمانعان، إذ الإثبات يمنع النفي، والنفي يمنع الإثبات تمانعًا وتناقضًا ذاتيًّا.
عودةٌ إلى تقرير ما مضى:
فتبين أن: الاشتراك مُوجِبٌ لنقص الشريك في نفس القدرة.
وإذا قُدِّر اثنان مُرِيدان لأمرٍ من الأمور فلا بد من أمرين:
* إما أن يكون المفعول الذي يفعله هذا ليس هو المفعول الذي يفعله الآخر، ولكنْ كلٌّ منهما مستقلٌّ ببعض المفعول.
* وإما أن يكون المفعول الذي اشتركا فيه لا يقدر أحدُهما على أن يفعله إذا انفرد، إلا أن يتجدد له قدرةٌ أكمل من القدرة التي كانت موجودةً حال الاشتراك.
فإذا كان المفعولُ واحدًا قد اختلط بعضُه ببعضٍ - على وجهٍ لا يمكن انفراد فاعلٍ ببعضه وفاعلٍ آخر ببعضه - امتنع فيه اشتراك الامتياز، كاشتراك بني آدم في مفعولاتهم التي يفعل هذا بعضها وهذا بعضها، وامتنع فيه اشتراك الاختلاط إلا مع عجز أحدهما ونقص قدرته وأنه ليس على شيءٍ قدير، وهذا الذي ذكرناه بقولنا: إن الاشتراك مُوجِبٌ لنقص القدرة.
الاشتراك في المفعولات يقتضي الافتقار في الذات والصفات:
ثم يقال: هذا أيضًا يقتضي أن كلًّا منهما ليس واجبًا بنفسه غنيًّا قويًّا، بل مفتقرًا إلى غيره في ذاته وصفاته كما كان مفتقرًا إليه في مفعولاته؛ وذلك أنه إذا كان كلٌّ منهما مفتقرًا إلى الآخر في مفعولاته عاجزًا عن الانفراد بها - إذ الاشتراك مستلزمٌ لذلك كما تقدم - فإمّا أن يكون: قابلًا للقدرة على الاستقلال بحيث: يمكن ذلك فيه - أو لا يمكن.
إبطال احتمال أن قابلية القدرة على الاستقلال لا تمكن:
والثاني ممتنعٌ؛ لأنه إذا امتنع أن يكون الشيء مقدورًا ممكنًا لواحدٍ امتنع أن يكون مقدورًا ممكنًا لاثنين.
فإن حال الشيء في كونه مقدورًا ممكنًا لا يختلف بتعدد القادر عليه وتوحده، فإذا امتنع أن يكون مفعولًا مقدورًا لواحدٍ امتنع أن يكون مفعولًا مقدورًا لاثنين، وإذا جاز أن يكون مفعولًا مقدورًا عليه لاثنين جاز أن يكون أيضًا لواحد، وهذا:
* بيّن إذا كان الإمكان والامتناع لمعنًى في الممكن المفعول المقدور عليه، إذ صفاتُ ذاتِه لا تختلف في الحال.
(يُتْبَعُ)