فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أيّها الإخوان إنّ جمعيتكم تغتبط كل الاغتباط بهذه النتائج التي حصلت عليها في خلال سنتين من عمرها مع ما تخللها من العراقيل و المثبطات و هي تحمد الله على ما وفق إليه و أعان عليه و نشكر الأمة الجزائرية المسلمة على ما بذلت من تنشيط و مساعدة و تعدّ أكبر مساعدة قدمتها الأمة للجمعية هي عرفانها للحق تدعو إليه ـ و نسأل الله الهداية لكل من ضلّ عن الحقّ، و إنّ جمعيتكم سائرة في عملها و هي تستقبل سنتها الثالثة بما ختمت به ما قبلها من دعوة إلى العلم الصحيح و الدين الخالص راجية أن يكون يومها خيرا من أمسها و غدها خيرا من يومها
أيّها الإخوان كثر حديث الناس عن جمعيتكم المباركة و كثر خوض الخائضين فيها مدحا وقدحا، و إنّ كثرة التحدث عن الشئ لعنوان صادق على الاهتمام به و إنّ الاهتمام به لآية على إكباره و إعظامه أو ـ في الأقل ـ على كبره في نفسه و عظمه في الواقع
كثر الحديث عن هذه الجمعية و اختلفت منازع المتكلمين فيها و إنّ جمعية كهذه الجمعية في أمة كهذه الأمة في وطن كالوطن الجزائري لحقيقة بالتنازع فيها و اختلاف المنازع في شأنها. و قد اختلفت فيها الأنظار و يوم تأسيسها فهي في نظر البعض شيء غريب و في نظر البعض شيء مريب، و في نظر البعض شيء حسن و لكن أوانه غير قريب
فأما الذين استغربوها فهم طائفة من السّذّج يقيسون الحقيقة الإنسانية بوجودهم و يقيسون التاريخ الإنساني بأعمالهم و يقيسون أسرار الاجتماع الإنساني ببيت تجمع زوج و زوجة و أولاد يفرقهم الصباح للكد على القوت و يجمعهم المساء للنوم تحت السقف. فأيّ نقطة في الحياة عند هؤلاء تحتاج إلى مظاهر الحشد و الاجتماع و ضم رأي لرأي و بهذا المقياس يقيسون الدين فهو عندهم اسم متعارف بين المسلمين و صلاة مفروضة تؤدى أو لا تؤدى و انتساب إلى الإسلام يجري مجرى القانونيات في زمننا هذا و الاعتقاد بجنة و نار من وسائلهما الأمل و لو بلا عمل فأية نقطة في الدين تحتاج إلى شيء اسمه جمعية علماء المسلمين
و من عجائب صنع الله لهذه الجمعية أنّ كل واحد من هذه الطائف الساذجة قدر له أن يحضر درسا أو يسمع محاضرة يصبح بفضل الله مسلما اجتماعيا يعرف حقيقة الإسلام و يدرك المنزلة التي أرادها له الإسلام
و أما المرتابون فهم طوائف شتى تجمعهم ضفة واحدة و هي اعتقاد أنّ هذه الجمعية تعارض مصالحهم أو فيها ما يعارض مصالحهم و قد كشفت الخطوة الأولى لهذه الجمعية عن مقاصدهم و كشفت لهم عمّا كانوا يرتابون فيه و أخرجتهم من الارتياب إلى التحقيق فكان منهم ما رأيتموه من السخط عليها و الكيد لها و أنصفوا لجمع الحقّ بيننا و لكن الإنصاف قليل و إذا كان في أنصار هذه الجمعية من يضيق ذرعه بهؤلاء الكائدين الساخطين و يرى أنّ ظهورهم بما ظهروا به يعرقل سيرالجمعية و يبطئ بها عن الوصول إلى الكمال ـ فإننا نرى عكس هذا الرأي ـ نرى أنّ وجود هؤلاء الساخطين الكائدين هو جزء متمّم للجمعية و إنّ سخط الساخط عبيها كرضى الراضي كلاهما تثبيت للجمعية و إنّ كل ذلك كله تدافع يظهر الله به الحقّ و يثبت قلوب أنصاره
و أمّا الطائفة الثالثة فهي طائفة قوي إشفاقها على هذه الأمة و رحمتها بها و رأت أنّ عوامل الانحطاط فيها قوية، و قد أراها الله من هذه الجمعية كيف يسرع لطف الله إلى قلوب الخائفين و كيف تقرب رحمته من المحسنين، فقوي رجاءها و ثبت يقينها و دخلت في العمل الصالح عن لإيمان و بصيرة و هذه الطائفة هي أكثرية الأمة و هي التي تمثلونها أنتم أكثر الله عددكم و ثبتكم على الحق و أحيانا و إياكم عليه حتى نلقاه غير مبدلين و لا مغيرين آمين ياربّ العالمين
ـ عبد الحميد بن باديس ـ رئيس جمعية علماء المسلمين ـ قسنطينة يوم الا ثنين 24 ربيع الأول 1352 ه / 17جويلة 1933 م
عن مجلة الشريعة النبوية المحمدية لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين