فهرس الكتاب

الصفحة 27762 من 28557

فقد كان من المعروف قبل الحرب العالمية الثانية أن العلماء الألمان قطعوا شوطًا بعيدًا في محاولة استغلال المعرفة النظرية المتعلقة بالتركيب الداخلي للذرة، وكان من المسلم به أن هذه المحاولات ستسير في المجال العسكري، وكان هناك خوف من أن تستغل الطاقة الهائلة التي تتولد عن انشطار الذرة في تدمير الإنسان على يد هتلر الزعيم النازي، ومن ثم فإن مجموعة من العلماء الفارين من جحيم النازية إلى أمريكا طلبوا من الرئيس (روزفلت) رئيس أمريكا آنذاك تخصيص الأموال والوسائل اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية قبل أن يتمكن العلماء الألمان من صنعها وجعلها في يد حاكم مثل هتلر يستخدمها في فرض قيم معادية للإنسانية، وكان في ظنهم أن حيازة أمريكا لها سوف يردع هتلر - فيما لو امتلكها - عن استخدامها. وتم ذلك في مدة قصيرة حين أجريت أول تجربة ذرية في عام 1945 في صحراء نيفادا، ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى ألقيت أول قنبلة على (هيروشيما) في اليابان في الثامن من آب عام 1945، وأعقبتها بعد أيام قنبلة أخرى على (نغازاكي) مما عجل بالاستسلام النهائي لليابان.

وقد كان من رأي العلماء الذين اخترعوا القنبلة الذرية أن تجرى تجربة دولية أمام مندوبين من مختلف بلاد العالم لإطلاعهم على مدى القوة التدميرية للقنبلة، ويطلب من اليابان أن تستسلم على هذا الأساس، ولكن الحاكم السياسي لأمريكا آنذاك، وهو الرئيس (ترومان) كان له رأي آخر.

وتكفيرًا عن الذنب أمضى كثير من أولئك - ومنهم أينشتين - بقية عمرهم في الدعوة إلى السلام. ومن العسير على العلماء اليوم أن يتحكموا في كيفية استخدام علومهم وتطبيقاتها حيث إن الشركات والمؤسسات الكبرى هي التي تنفق على أبحاث العلماء في الغرب، كما أن الدولة في المعسكر الشرقي ترعى العلماء وتنفق عليهم، مما يجعل إسقاط حقهم في التحكم فيها أمرًا مسلمًا به مسبقًا.

ولا تقف مشكلات التخصص المغلق عند هذا الحد، فقد وجد مثلًا أن بعض الأمم تولي ثقة للمختصين والفنيين، وربما يحثونهم على القيام بتشكيل حكومة تسمى بالحكومة (التكنوقراطية) ، أي حكومة الاختصاصيين، وقد خيب هؤلاء الآمال في كثير من الأحيان، لأنه ثبت أنهم ينظرون إلى المشكلات الكبرى بمنظور أضيق مما هو مطلوب؛ لأن مهنتهم وتخصصهم الدقيق يغلب عليهم، ومن ثم فإنهم عاجزون عن تأمل الأمور من منظور شامل. ومن هنا فإن المجتمع كثيرًا ما يلجأ إلى السياسيين والشخصيات العامة لإصلاح ما أفسده المختصون.

إن في المجتمع حوارات داخلية غامضة، لا يقف عليها إلا من خالط الناس في شرائحهم العديدة، ومن ثم يعجز غالبًا المختصون عن قيادتهم وتحسس مشكلاتهم.

وقد عزلت التخصصات المغلقة أصحابها عن طبيعتهم الإنسانية حين تحول العلم على أيديهم إلى مجموعة من الإجراءات التي تقتضي تدريبًا وتعليمًا مكثفًا، ومن ثم فإن المختص يتباعد تدريجيًا عن رؤية الصورة الكلية للحياة، كما أن العلم وفق هذا المنهج يفقد وظيفة من أهم وظائفه، وهي فقه الذات والعودة إليها واستكناه أغوارها] وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [[الذاريات: 21] . ومن ثم فقد برز اتجاه يدعو إلى ضرورة خروج العالم من تخصصه إلى تخصصات أخرى قريبة منه تتكامل معه وتثريه، كما نشأت دعوات للعلماء التطبيقيين أن يقرءوا في الدراسات الإنسانية، وأن يعايشوا المشكلات اليومية لمجتمعاتهم - ولو بمقدار - حتى يحدث التوازن في ثقافاتهم وشخصياتهم المجتمعية.

وهذه المشكلات هي مشكلات الباحث في العالم المتقدم ماديًا، أما المختصون عندنا فلهم إلى جانب هذه المشكلات مشكلات أخرى من نوع آخر، حيث إن الباحثين في ميادين العلوم التطبيقية مازالوا إلى هذه اللحظة عند العلوم، أما التطبيق فإن الأوضاع في العالم الإسلامي لا تساعد على التطبيق الصحيح، ولذلك فإن من استطاع من الباحثين الهجرة إلى الغرب هاجر، ليجد هناك المجال الرحب لتطبيق النظريات التي توصل إليها، وليضاف إنتاجه بعد ذلك للحضارة الغربية، ومن لم يستطع الهجرة توقف النمو العلمي لديه، ثم تراجع؛ لأن العلم لا ينمو إلا بالتجربة والتطبيق.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت