فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والذي أحبذه أن نقيس كل مفكر بما عنده من علم وفقه ودين , فبعضهم أيمة في شؤون كثيرة , ويُعَوّل عليهم في ذلك , وبعضهم عريا عن كل شيء غير الكلام الفارغ , والسفسطة المملة , وهذا المذموم.
جزاكم الله خيرا، وهذا لا خلاف فيه البتة بيننا. وقد قررت أن صفة المفكر هذه يوصف بها كل نابغ له بُعد نظر وإضافة نافعة في تخصصه، وله إحاطة بما يلزمه الإحاطة به من المعارف مما سوى ذلك التخصص، فتعقيبي هذا لم يوضع من أجل الحكم على أعيان من يطلق عليهم هذا اللقب الآن، من أدباء أو فلاسفة أو باحثين في الإنسانيات (من علوم اقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها) كانت لهم جهود طيبة ومساهمات نافعة في دراسة ونقد وتحليل مستحدثات الفكر الغربي المعاصر، ولم يكن لهم - مع ذلك - حظ من طلب العلم الشرعي ولم يُعرفوا به يوما ما. هؤلاء لم أتعرض لهم من قريب ولا بعيد، وهم كثيرون لا أنفي جهودهم ولا مساس لي بفضلهم! وإنما وضعت هذا التعليق لنقد ما يؤسسه الدكتور بكار وفقه الله ههنا من جعل المفكر قسيما للمختص، ومن تعريف حرره لما يسميه بالمفكر الإسلامي، يبدو لي - بجلاء - أنه قد جعله به (وبما يضربه عليه من أمثله) نظيرا للفقيه المجتهد، بيد أنه لم يشترط فيه ما يجب أن يُشترط في الفقيه المجتهد، وهنا بيت القصيد لمن تأمل!
ليس الإشكال عندي محصورا في المسمى نفسه، وأرجو ألا يظن الإخوة أن يكون اعتراضي ههنا على هذا القدر من السطحية! فأنا أدري جيدا أنه ليس كل من يُطلق عليه لقب مفكر إسلامي في زماننا هذا، هو بالضرورة لا يزيد على أن يكون صحفيا أو نحوه! وقد رأينا طلبة علم وباحثين شرعيين يسميهم الناس بالمفكرين الإسلاميين، نظرا لجهود مباركة قاموا بها في نقد ودراسة لبعض النظريات الحديثة في فرع أو أكثر من فروع العلوم الإنسانية ونحوها، وذلك من غلبة هذا المسمى على المادة المسموعة والمقروءة في فضاء الإعلام في زماننا، وهم - أعني هؤلاء الباحثين وطلبة العلم بل والعلماء - لا يجدون حرجا أو إشكالا في ذلك المسمى. وأنا أحترم رأيهم وإن كنت لا أوافقهم عليه لأسباب قد بسطتها في غير هذا الموضع.
ولكن الإشكال عندي ههنا في أن ينظَّر لاختصاص مستقل يسمى"بالمفكر الإسلامي"دونما اشتراط لقدر ضروري من العلم بدين الله جل وعلا في ذلك، ثم يستساغ لذلك (المفكر) بناء على ذاك التعريف أن يزاحم أهل الاختصاص في صناعاتهم وأن يخوض في قضايا شديدة الدقة في النوازل الشرعية المعاصرة وفي السياسة الشرعية وغيرها، تحتاج إلى قوم أفنوا أعمارهم في فقه الشريعة حتى يحق لهم الاجتهاد والنظر فيها!
ولهذا قلت، تلخيصا لما أريد:
فإن كان الكلام في أمور العامة لا يتطلب من المرء أكثر من أن يكون على هذا الوصف الذي وصفه الدكتور بكار، فإنا لله وإنا إليه راجعون.