فهرس الكتاب

الصفحة 27864 من 28557

وهذا ما ذكرته حين الكلام عن الخوض في أمور مغيبة متعلقة بالله تعالى، فكل ما لم يأت نصًا في القرآن، أو لم يجمع عليه الصحابة رضي الله عنه فهو من باب التزيد في الدين والبدعة.

فالسلامة في هذه المسائل وما كان مثلها: أن نقول: إن صح عن الله تعالى ذلك القول أو التفصيل أو التفريع قلنا به، وإن لم يصح ذلك إلا باستدراك العقول واستحداثها ما لم يكن في نص القرآن والسنة فهو باطل مردود، لا نقول به ألبتة، ولا ننسبه لله عز وجل، فما يدرينا أن الأمر كما ظنت عقولنا الضعيفة، وكيف صح للعقل الضعيف أن يدرك تفصيل خالقه عز وجل، فسبحان من له علم كل شيء، له الحمد على ما أنعم، نؤمن به على ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة.

فقد علمنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كيف نتطهر من الغائط ومن البول، ولو كان تفصيل هذه المسائل التي خاض الناس فيها واجبًا: لما سكت الشرع عنه، ولبينه البيان الكافي والشافي، ولو علمه الصحابة ما كتموا حرفًا منه، ولنقلوه لنا كما نقلوا التطهر من قضاء الحاجة والاستجمار والاستنجاء.

فإن ظهر لي شيء غير ما ذكره العلامة ابن عقيل وهو يقوي قوله: رجعت عن قولي، وصرحت برجوعي دون استحياء، فالرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الخطأ.

ورأي الشيخ في هذه المسألة رأي قديم لم يحدث الآن، فلا يظن أحدكم أنه غير اجتهاده ورأيه، فقد أشار لي أنه من قديم أقواله، وهو أيضًا منشور في تقديمه لكتاب التقريب.

لكن ثمة مسألة: إن كان القائل بالتوقف سواء الشيخ أو من وافقه يستدل بسكوت الصحابة عن التفصيل في ذلك ولا يقبل بالتشنيع عليه في اجتهاده، فكذلك يجب أن يعذر من خالفه في مسائل وافق فيها الشيخ أو المستدل قول المتأخر في تفصيل مسائل الاعتقاد.

فمن ذلك انتقاد الشيخ وغيره لابن حزم لأنه امتنع من تسمية معاني أسماء الله تعالى باسم الصفة، وقال: أسماء الله تدل على الله ولا تدل على غيره، وأن لها معاني، وذكر الكثير من هذه المعاني الإجمالية.

وقد احتج أبو محمد بما احتج به أبو عبد الرحمن، وذكر أن هذا اللفظ لم يأت بنص، ولا جاء عن صحابي ولا تابعي، وإنما نشأ هذا اللفظ عند المعتزلة فتابعهم عليه بعض الفقهاء والعلماء، وعذرهم في ذلك ووصف موافقتهم للمعتزلة بأنها وهلة من عالم وزلة من فاضل ونحو هذا الكلام، وهو بنحو ما احتج به الشيخ حفظه الله، والقاعدة واحدة.

وقد وُصِفَ الممتنع من تسمية معاني أسماء الله تعالى باسم الصفة بأنه جهمي، وهذا معلوم لا يخفى عليكم، مع أن الواصف هذا وغيره يقولون: التجهم هو إبطال أسماء الله تعالى ومعانيها.

فكيف صح عندهم أن يكون أبو محمد من الجهمية وهو يثبت الأسماء، ويثبت معانيها؟ فمن شك في ذلك فليرجع إلى الفصل ويقرأ كلام الإمام ابن حزم ونقله الإجماع على جواز الدعاء بمعاني أسماء الله تعالى، وبيانه لكثير من هذه المعاني.

فلا يأتي رجل لم يقرأ هذا الكلام عند أبي محمد فيتهمني بالتقليد والعصبية لأبي محمد، فهذا من الكذب الصريح، فقد نقلت كلام أبي محمد كما هو في شريط محاكمة الإمامين، وما زدت عليه حرفًا.

فلما بُهِتَ المقلد الذي يقلد ما عليه المتأخر في مسائل الاعتقاد صار يطعن بأبي محمد وبي وبالدارة وبكل ظاهري يخالف ابن عقيل الظاهري، ويدعي أن ابن عقيل الظاهري أعلم الناس بالظاهر وبابن حزم وقد نفى أن يكون ابن حزم قال ذلك!

والشيخ ينفي ذلك عن نفسه، ويصرح بأنه ليس أعلم الناس بالظاهر، وأنه يصيب ويخطئ وليس بمعصوم، وأنه يستفيد من الظاهرية ما فاته، كما أنهم يستفيدون منه ما فاته، وكل ذلك إن صح برهان القائل في أي مسألة كانت، وأنه لم يكتب في تأصيل منهج أهل الظاهر ما يذكر حتى يعتمد على كلامه هذا القائل وغيره لتجويز تقليده.

وقد صرح الشيخ بأن مثبت الأسماء ومعانيها فليس بجهمي أصلًا، فلا أدري من نصدق؟ الجاهل الذي طعن في غيره وهو لا يحرر معنى التجهم أو الشيخ الذي ينفي ذلك بلسانه؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت