فهرس الكتاب

الصفحة 27944 من 28557

سافرات غير مُحجّبات؟ قال: لأنّهنّ زائرات , قلت: إنّهنّ ما زلن لم يصلن مكان الزّيارة بعد؟ قال: قد اعتبرن أنفسهنّ زائرات منذ خرجن من بيوتهنّ.

ونزلنا بمحطّة عين كرمان , ويُسمّونها > ومع أنّ بينها وبين مكان الزّيارة بضعة أميال فإنّ كثيرا من الزّوار ــ لمّا علموا أنّ مكان الزّيارة قد ضاق بالزّائرين ــ قد اتّخذوا من عين كرمان مكانا للزّيارة , ونصبوا بها الأخبية والخيام , وكانت شوارعها وميادينها تموج موجا بالنّساء والرّجال , وكانوا مُختلطين اختلاطا فاحشا , وقد رأينا حلقا كثيرة كحلق الذكر , فلمّا دنونا منها رأينا النّساء وهنّ سافرات قد جلسن بين الرّجال ورُبّما ترامت امرأة في أحضان رجل أجنبي عنها تلاعبه ويُلاعبها وتُغازله ويُغازلها على مرأى ومسمع من النّاس. . . وفي كلّ حلقة راقصة تثبّ وتميس , وتخطر وتمشي , , وربّما كنّ أكثر من راقصة واحدة وهذه الرّاقصة هي محور هذه الحلقة فإذا هي قد قضت لبانتها من هذه الحلقة ووثبت منها كالغزال النافر إلى حلقة أخرى تبعها أصحاب الحلقة جميعا.

وأردنا أن نُصلّي الظّهر فقلت لرفيقي وهو الأخ الفاضل السّيد علي سعد الهاشمي (بوشقور) هلمّ بنا إلى المسجد , وقمنا نسأل عنه الغادي والرّائح فلم نجد من يدلّنا عليه بل قال لنا أحد النّاس مُتهكّما: إنّكم تركتم المسجد وراءكم في وهران! وسألنا عنه رجلا من أهل القرية فاستغرب منّا هذا السّؤال.

وكانت السّيارات التي تقلّ الزّوار إلى مكان الزّيارة كثيرة لا تكاد تحصى , ومع ذلك فإنّنا اضطررنا أن ننتظر قليلا من كثرة الازدحام على السّيارات , والتمسنا مراحا نستريح إليه فلم نجد , لأنّ المقاهي العربيّة كانت غاصّة ملأى بالزّائرين والزّائرات , حتّى لا ترى فيها موضع قدم خاليا , وقصدنا إلى أحد المقاهي الفرنجيّة الكُبرى ظنّا منّا أنّ الزّوار لا يقصدون إلى مثلها , فإذا هي كثير الرّدهات والأبهاء ولكنّها كانت كلّها مُكتظّة بالزّائرين والزّائرات , وبعد لأي شديد وجهد جهيد , انتبذنا مكانا قصيّا إلى مائدة صغيرة في زاوية ضيّقة من زوايا المقهى فجلس صاحبي على شيء يُشبه الكرسي , وما هو به , وجلست أنا على كرسي مُتحطّم قديم قد بلغ من الكبر عتيا وقام على ثلاث قوائم فقط , أمّا القائمة الرّابعة فقد ذهبت بها الأيّام , وكان الدّخان دخان > قد نشر في جوّ المقهى سحبا كثيفة مُتراكما بعضها فوق بعض , ونادينا صاحب المقهى أن ائتنا بعصير اللّيمون , فهزّ كتفيه استخفافا بما طلبنا , وكان يظنّ أنّنا نشرب جرّة كبيرة من جرار الجعة (البيرة) كسائر الزّوار فيتمتع هو بثمنها , ومضى , ولم يكد يصل إلى المصطبة (الكونتوار) حتّى غاب عن أبصارنا في ضباب الدّخان المتصاعد من سائر الأفواه , وبعد عشرين دقيقة جاءنا بعصير اللّيمون وقال لنا أيّ نوع من أنواع الدّخان تريدون؟ قلنا إنّنا لا نتعاطى التّدخين , فزاد استخفافه بنا , وكان قد جلس إلى كلّ مائدة جماعة من الزّوار ذكورا وإناثا يتبارون في شرب الخمور ويتنافسون , وكانت المرأة تغنّي والرّجل ينفخ > أو مزماره والباقي يصيحون ويُصفقون ويُمعنون في العربدة والعبث , وربّما رأينا بأعيننا رجلا قد تهافت على امرأة وسط الجماعة يُغازلها ويغمرها عضا وتقبيلا , وقمت أنا إلى حديقة المقهى لعلّي أرى مكانا نجلس إليه فإذا الحديقة أكثر امتلاء بالشّاربين والشّاربات وإذا الحالة فيها على غرار الحالة في المقهى.

وهران محمّد السّعيد الزّاهري (الصّراط السّوي العدد الثاني عشر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت