فهرس الكتاب

الصفحة 28327 من 28557

ولم يبد لنا أن هذه الخصال الثلاث قد اجتمعت لأحد ممن سبقه أو تبعه، من الذين عابوا المنطق المشائي، فبعضهم حرمه،و بعضهم أوجبه دون أن ينتبه فريق منهم إلى أن المنطق الصناعي لا يمكن تحريمه لأنه يتبطن منطقا طبيعيا فطر الله الناس عليه، ودون أن ينتبه الفريق الآخر إلى أن ما أوجبوه هو تحصيل لحاصل، لأن الله غرز أصول هذا المنطق في فطرة الإنسان. ولذلك بقي نقد ابن تيمية للمنطق المشائي مفتقرا إلى عالم بالشريعة، عارف بأساليب التفكير الفطري، و صوره الصناعية، متشبع بالروح النقدية حتى يستطيع مواصلة عمل قام به الفقهاء و علماء نظار، الذين جدوا في حماية عقيدة عرفوا بساطتها فنفوا عنها التعقيد، و أدركوا صحتها فابعدوا عنها عناصر الفساد، وشعروا بالخطر يتهدد أصالتها، و بالسموم تدب في أوصالها مما كانت تتجرعه من مناهل المعرفة، التي كان الصراع من أجل البقاء يوجب عليها ورودها، والتي فتحتها سماحتها على آفاقها جميعا، فهبوا يذودون عنها بسلاح يفل كل سلاح، ولا يفله سلاح، هو سلاح الفطرة التي لا يستطيع الإنسان ولو حاول الانسلاخ عنها، بذلك نقدوا الفلسفة المشائية، وردوا منطقها، و بذلك نقد ابن تيمية منطق المشائين نقدا لم يبلغ أحد من الفقهاء أو من علماء الكلام شأوه فيه، لأنه نقد مذهبي قصد به صاحبه على حماية أساليب التفكير الإسلامية، و بيان أهميتها و مكانتها بين أساليب التفكير الأخرى، فيكون بذلك قد دافع عن الفطرة بمنطق الفطرة ))

عن بحث للدكتور محمود اليعقوبي بعنوان: (ابن تيمية و المنطق الأرسطي) .

إن القلب ليتفطر حسرة على ما فعل التعصب بالمسلمين، فبعضهم ودون دراسة شاملة وعميقة يريد أن يجعل من أبي حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ قنطرة التجديد في الفكر الإسلامي، وهو من دعاة التقليد في نظرية البناء المعرفي، أو أطر الإدراك، (فإذا كان لا يمكننا أن ننكر أن جميع من كتب من المسلمين باللغة العربية في المنطق، لم يخرجوا عن الحدود التي رسمها أرسطو، و أن المتأخرين منهم قد اكتفوا بتجريد منطق المشائين من الميتافيزياء التي تبطنه، فإنه لا جدال في أن هؤلاء لا يمثلون جميع أصناف الطالبين المسلمين، ولا جميع الذين تحدثوا في المنطق، بل كان إلى جانب هؤلاء المعجبين بالفلسفة اليونانية عامة، و المنطق المشائي خاصة، طائفة من النظار الإسلاميين لم يقبلوا هذه الفلسفة، لأن أصولها مخالفة لأصول العقيدة الإسلامية، ولم يستسيغوا هذا المنطق، لأنه من جهة أداة لهذه الفلسفة، ولأنه من جهة أخرى مبني على بعض أصول هذه الفلسفة، فكأنه جزء منها.

فالغزالي الذي جعل هو الآخر من المنطق مقدمة لكل علم [ (المستصفى) {10/ 1} ] بما في ذلك علم أصول الفقه، لا يمكن اعتماده كمنطلق نحو تجديد العلوم الإسلامية.

وكذلك ابن حزم الذي كان من السابقين إلى نعت المنطق ومدحه إلى حد التوكيد بأن: (( من جهله خفي عليه بناء كلام الله عز وجل مع كلام نبيه صلى الله عليه وسلم،وجاز عليه من الشغب جوازا لا يفرق بينه و بين الحق، ولم يعلم دينه إلا تقليدا، و التقليد مذموم ) ) [التقريب لحد المنطق ص:3]

في الأخير أقول:

إذا كانت الأمة الإسلامية بحاجة ماسة في هذا العصر إلى هذين الصنفين من العلماء: الذين يحاجون عن الدين، ويحمونه من جميع أعدائه، من داخل الأمة ومن خارجها.

و الذين يحسنون جلب المنافع ودفع المضار عنها بما أتوا من حسن السياسة و البراعة فيها، فإنها بحاجة كذلك إلى بقية أصناف العلماء كـ: الفقهاء، و المفسرين، و المحدثين، و أهل النحو و اللغة،و الدعاة، و الوعاظ.

لكن ليس عليهم أن يعتبروا الصنفين السابقين منافسين لهم، فيركنونهم في خانة المفكرين، كأنه صنف أقل قيمة، بل هم سادة العلماء، فهم أصحابالحجج الدامغة للفكر البدعي و الكفري، و السياسة الدافعة للظلم، ولقلتهم في هذا الزمان تعاني الأمة ما تعانيه من شبه وجور. انتهى.

المصدر: مقال للشيخ مختار الطيباوي ـ منقول عن الموقع المنسوب إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت