فهرس الكتاب

الصفحة 28339 من 28557

رابعًا: التأويل غير السائغ: ويقابله من الموانع التأويل السائغ، ويدل له اتفاق الصحابة على عدم تكفير الذين استحلوا الخمر لأنهم تأولوا قوله سبحانه: (( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ) ) [المائدة: 90] بجواز شرب الخمر مع التقوى والإيمان.رواه عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح، على أن الخمر محرمة تحريمًا قاطعاَ ولكن الصحابة لم يكفروهم لوجود الشبهة وهي تأويلهم للآية الكريمة ..

وهذا كله لأن التكفير حق لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومن لم يُصبْ في إطلاقه فإنه يعود إليه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ قَالَ لأخيه يا كافرإن كان كما قال وإلا حَارتْ عليه ) ). انظر [مخالفات في التوحيد] ص 15.

وإليك أخي القاري الكريم: بيان هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية عن خطر التكفير وضوابطه:

بيان هيئة كبار العلماء

الحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد درس مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والأربعين المنعقدة بالطائف ابتداء بتاريخ 2/ 4/1419 هـ ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء، وتخريب المنشآت، ونظرًا إلى خطورة هذا الأمر، وما يترتب عليه من إزهاق أرواح برئية، وإتلاف أموال معصومة،

وإخافة للناس،وزعزعة لأمنهم واستقرارهم، فقد رأى المجلس إصدار بيان يوضٌح فيه حكم ذلك نصحًا لله ولعباده، إبراءً للذمة وإزالة للبس في المفاهيم لدى مَن أشتبه عليه الأمر في ذلك، فنقول وبالله التوفيق:

أولا: التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، وليس كل ما وصف بالكفر من قول أول فعل، يكون كفراَ أكبر مخرجًا عن الملة.

ولما كان مَرَدٌ حكم التكفير إلى الله ورسوله لم يَجُز أن نُكَفٌر إلا مَن دَلٌ عليه الكتاب والُسنٌة على كُفْرِه دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لِمَا يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تُدْرَأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يُدْرَأ بالشبهات؛ ولذلك حذٌر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر، فقال: ((: (( أُيٌما َامْرىءٍ قَالَ لأخيه: يا كافر، فقد باءَ بِهَا أحَدُهُما، إن كان كما قال، وإلاٌ رَجَعَتْ عَلَيه ) ). وقد يَرِدَ في الكتاب والسنة ما يُفْهَم منه أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كُفْر، ولا يكفٌر مَن اتصف به، لوجود مانع يمنع من كفره، وهذا الحكم كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها كما في الإرث، سببه القرابة- مثلًا- وقد لا يرث بها لوجود مانع كاختلاف الدين، وهكذا الكفر يكره عليه المؤمن فلا يكفر به. وقد ينطق المسلم بكلمة الكفر لغلبة فرح أو غضب أو نحوهما فلا يكفر بها لعدم القصد، كما في قصة الذي قال )) اللهم أنت عبدي وأنا ربك )) أخطأ من شدة الفرح.والتسرٌع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة من استحلال الدم والمال، ومنع التوارث، وفسخ النكاح، وغيرهما مما يترتب عليه الرٌدٌة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يُقْدِم عليه لأدنى شبهة.

وإذا كان هذا في ولاة الأمور كان أشد؛ لما يترتب عليه من التمٌرد عليهم وحمل السلاح عليهم، وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء،وفساد العباد والبلاد، ولهذا مَنَعَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من منابذتهم، فقال: (( إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان ) ). فأفاد قوله )) إلا أن تروا )) ، أنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت