فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحَسَب مصدر حَسُبَ وهو ما تعدُّهُ من مفاخر آبائك أو المالُ أو الدِين أو الكرم أو الشرف في الفعل أو الفعال الصالح أو الشرف الثابت في الآباء أو البالُ - أي الشأن - أو الحَسَب والكَرَم قد يكونان لمن لا آباءَ شرفاءَ لهُ والشرف والمجد لا يكونان إلاَّ بهم. وقيل أصل الحَسَب من الحِساب لأن الحسيب يعدُّ لنفسهِ مآثر فتلك المآثر حَسَبٌ.
والحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه وقيل حسبه دينه وقيل ماله , والرجل حسيب وبابه ظرُف.
قال ابن السكيت: الحسب والكرم يكونان بدون الآباء والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء". انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي , ومختار الصحاح للرازي."
وقد ورد تفصيل جيد لمعنى الكلمة في تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي يمكن الرجوع إليه لمن يريد الاستزادة.
كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث تشير إلى أن الحسب هو الدين وهو الخُلُق وهو المال. فعند الحاكم وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:"كرم المرء دينه ومروءته عقله وحسَبُه خُلُقه"
وأورده الحافظ في زوائد التلخيص بلفظ:"حَسَبُ المرء دينه ومروءته خلقه"وهو في الموطأ عن عمر من قوله.
وعن سمرة ابن جندب قال قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"الحسب: المال والكرم: التقوى"رواه الترمذي وأحمد وغيرهما.
بل ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"أربع في أمتي لايتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة"رواه مسلم.
إذن هناك فرق بين الحسب والنسب لغة وشرعًا.
ومما يُستأنس به أيضًا للدلالة على أن الحسب الوارد في الحديث غير النسب الذي في عرف الناس اليوم , أن المخاطبين في الحديث (وهم الصحابة) كلهم - تقريبًا - عرب فكيف يكون المقصود بالحسب في الحديث هو النسب العربي وهو السائد في ذلك الوقت بين المسلمين؟!
وعلى هذا ففي المجتمع قد يكون المرء (رجلًا كان أو امرأة) حسيبًا ولا يكون نسيبًا , وقد يكون نسيبًا ولا يكون حسيبًا , وقد يجمع بين الأمرين معًا.
وفي جميع الأحوال , هذه الأمور ليست مما رغّب بها النبي عليه الصلاة والسلام.
ولكني ذكرتُ الفرق بين الحسب والنسب للبيان والتوضيح وتصحيح مفهوم خاطئ.
وبالمناسبة:
ذكر العلماء أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث صحيح في اعتبار النسب عند النكاح لا صحةً ولا لزومًا. لكن الذي ثبت هو اعتبار الدين والخلق.
فحديث:"تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس"وغيره من أحاديث الباب , كلها أحاديث ضعيفة لا يصح الاحتجاج بها.
أما حديث:"تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم"
فعلى افتراض صحته بهذا اللفظ (إذ ضعفه جماهير علماء الحديث) لا تكون الكفاءة المذكورة فيه بمعنى كفاءة النسب بل تكون كفاءة الدين والخلق جمعًا بين الأحاديث النبوية وحملًا على أن هذا الحديث مطلق وحديث"إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه ..."مقيِّد له.
وقد ذكر الألباني رحمه الله تعالى - عندما حسّن الحديث - أن الكفاءة هنا هي كفاءة الدين والخلق.
ولو قيل إن الكفاءة المذكورة هنا عامة , ولذا هي تشمل الكفاءة في النسب والكفاءة في غيره ولا ينبغي إلغاء النسب أو استثناءه من الشمول.
فنقول:
نعم , إذا كانت الكفاءة الواردة في الحديث تشمل الكفاءة في النسب , فهي أيضًا تشمل الكفاءة في جميع الأشياء التي فيها تفاضل كالكفاءة في لون البشرة والعلم والوظيفة والمال والجاه والمنصب والصحة وغيرها ..
فهل يمكن الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الكفاءة في جميع هذه الأمور؟!
إذن:
حتى على افتراض صحة الحديث وافتراض أن الكفاءة الواردة فيه تشمل الكفاءة في النسب وغيره , فإنه لا يمكن الاستدلال به على اعتبار الكفاءة في النسب شرعًا من جهة التأثير صحة أو لزومًا. بل أقصى ما يمكن أن يقال في هذا هو أنه يجوز للمسلم الاهتمام بالكفاءة في النسب وفي غيره من الأمور التي فيها تفاضل إذا هو أراد ذلك.
فمن يريد الاهتمام بالكفاءة النسبية , فله ذلك .. ومن لا يريد الاهتمام بكفاءة النسب عند الزواج أو التزويج , فله ذلك أيضًا ولا يجوز لأحد أن يجبره على ما لا يريد ما دام الأمر يدور في دائرة المباح.
(يُتْبَعُ)