وقد ثبت في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) .
قلت: وهذا جوابٌ جيدٌ لا بأس به.
3 -وثالثها: أنه ليس المراد بالامتناع من إرسال الآيات التي طلبها المشركون هو مطلق الآيات!
بل المراد بالآيات هنا: هي آيات الاقتراح والتشهي، مثل تحويل جبل الصفا ذهبًا، وجَرْيِ الأنهار، وغيرها، وهي أنها لا توجب الإيمان بها عند القوم، فقد سألها الأولون فلما أوتوها كذبوا بها فأهلكهم الله، فليس لهم مصلحةٌ في الإرسال بها، بل حكمته سبحانه تأبى ذلك كل الإباء.
فلا يدخل في ذلك: استجابة الرحمن لسؤال القوم بأن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر عيانًا.
قال الخطابي فيما نقله عنه جماعة وهو بصدد بيان الحِكَم من انشقاق القمر: (الحكمة في وقوعها ليلًا أن من طلبها من الرسول صلى الله عليه وسلم بعض من قريش فوقع لهم ذلك ليلًا، ولو أراد الله تعالى أن تكون هذه المعجزة نهارًا؛ لكانت داخلة تحت الحس قائمة للعيان، بحيث يشترك فيها الخاصة والعامة - لَفَعَلَ ذلك؛ ولكن الله تعالى بلطفه أجرى سنته بالهلاك في كل أمةٍ أتاها نبيها بآيةٍ عامةٍ يدركها الحس فلم يؤمنوا، وخص هذه الأمة بالرحمة فجعل آية نبيها عقلية، وذلك لما أوتوه من فضل الفهم بالنسبة إلى سائر الأمم، والله سبحانه وتعالى أعلم) .
فَعُلِم بهذا أن طلبه سبحانه وتعالى للقوم بانشاق القمر، لا يتعارض مع قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات .... ) .
قلت: وهذا جوابٌ حسنٌ أيضًا.
4 -رابعها: أنه ليس ثمة تعارضٌ بين انشقاق القمر وآية: (وما منعنا أن نرسل بالآيات ... ) .
وذلك: لأن الآيات التي لم يرسلها الله تعالى وعلق الهلاك على التكذيب بها هي التي طلبها المشركون من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعيانها، وأما انشقاق القمر فلم تطلب منه عليه الصلاة والسلام. وإنما طلبوا آيةً دون تحديد فانشق القمر، كما في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (سأل أهل مكة أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر) .
فوقعت تلك الآية: كما تقع خوارقُ كثيرةٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، دون سؤالٍ من أحد لها أو بتعيين أفرادها.
قلت: وهذا جوابٌ قوي.
وهناك أجوبة أخرى لا تخلو من ضعف وتكلف.
وقد أطال محمد رشيد رضا وغيره النَّفَسَ في التعلق بآية الإسراء: (وما منعنا أن نرسل بالآيات) ، وغيرها في سبيل التنكب عما ثبت من قصة انشقاق القمر!
وهذا باعثه: الاحتكامُ إلى قوانين العقل باديَ الرأي! مع ما يصحبه من تلك التكلفات في درء صحاح الأخبار، بما لا يتفق مع أهواء كل حائر محتار!
ـ [الحياة قوة] ــــــــ [26 - Dec-2010, مساء 09:52] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وفقكم الله و سدد خطاكم, مشروع رائع لا ينقصه إلا شكر صاحب الفكرة و المجيبين و الناشرين و الدعاء لهم بالتوفيق و الخير.
شكرا لك ... بارك الله فيك ...