فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أحكام أرواحك؛ وهي ثلاثة فمضيت على حكمها سعيا في الخير، واعلاء لكلمة الحق، تأييدا لشوكة الحكمة، وسلطان الفضيلة، ولست في ذلك إلا آلة لتنفيذ الرأي المثلث، ومالي من ذاتي إرادة حتى ينقلب مربعا غير أن قواي العلية تخلت عني في مكاتبتي إليك، وخلت بيني وبين نفسي التزاما لحكم ان المعلول لا يعود على علته بالتأثير على أن ما يكون إلى المولى من رقائم عبده ليس ألا نوعا من التضرع والابتهال لا أحسب فيه ما يكشف خفاء أو يزيد جلاء، ومع ذلك فإني لا أتوسل إليك في العفو عما تجده من قلق العبارة وما تراه مما يخالف سنن البلاغة بشفيع أقوى من عجز العقل عن إحداق نظره إليك واطرق الفكر خشية منك بين يديك، وأي شفيع أقوى من رحمتك بالضعفاء وحنوك لمغلوبي حياء).
ثم يقول أيضا:
(أما ما يتعلق بنا فإني على بينة من أمر مولاي، وان كان في قوة بيانه ما يشكك الملائكة في معبودهم والأنبياء في وحيهم، ولكن ليس في استطاعته أن يشك نفسه في نفسه، ولا أن يقنع عقله إلا على بالمحالات وإن كان في طوعه أن يقنع بها من أراد من الشرقيين والغربيين) انظر منهج المدرسة العقلية في التفسير للشيخ فهد الرومي، ص155.
قال الشيخ فهد الرومي معلِّقًا على خطاب محمد عبده:
(وهي عبارات ولا شك خطيرة توجب إعادة النظر في عقيدة الرجل عند من لا تخدعه الأسماء، وقد استغرب السيد رشيد رضا نفسه هذه الرسالة من إستاذه حيث قال عند سياقه لها:
"ومن كتاب له إلى السيد جمال الدين عقب النفي من مصر إلى بيروت، وهو أغرب كتبه، بل هو شاذ فيما يصف به استاذه السيد مما يشبه كلام صوفية الحقائق والقائلين بوحدة الوجود التي كان ينكرها عليهم بالمعنى المشهور عنهم، وفيه من الإغراق والغلو في السيد ما يستغرب صدوره عنه، وإن كان من قبيل الشعريات وكذا ما يصف به نفسه بالتبع لاستاذه من الدعوى لم تُعهد منه البته").
انظر منهج المدرسة العقلية في التفسير للشيخ فهد الرومي، ص155
فمن تلك التهم:
أـ الإلحاد:
ـ إذ قال عنه تلميذه النصراني سليم العنجوري في"شرح ديوان سحر هاروت"
عند ترجمته له: إنه سافر إلى الهند وهناك أخذ عن علماء البراهمة والإسلام أجل العلوم الشرقية والتاريخ، وتبحر في لغة"السانسكريت"أم لغات الشرق.
وبرَّز في علم الأديان حتى أفضى به ذلك إلى الإلحاد والقول بقدمية العالم، زاعمًا أن الجراثيم الحيوية المنتشرة في الفضاء هي المكونة ـ بطرق وتحول طبيعيين ـ ما نراه من الأجرام التي تشغل الفضاء ويتجاذبها الجو، وأن القول بوجود محرك أول حكيم وهمٌ نشأ من ترقي الإنسان في تنظيم المعبود على حسب ترقيه في المعقولات. انظر: تاريخ الأستاذ الإمام (1/ 43) .
و هذه ـ بالضبط ـ هي عقيدة حكماء مصر القديمة، التي تتبناها الماسونية من وراء حجاب، و تُظهِرها في فترات متباعدة ـ و في مقاسات متعدِّدة.
إذ أن فلسفة الكابالا اليهودية القائمة على أرثٍ فرعوني قديم تقوم على أساس أن الكون تشكَّل بنفسه وتطور تلقائيًا بعوامل المصادفات العشوائية.
يقول مؤلفا كتاب"مفتاح حيرام":
(كان المصريون القدماء يؤمنون بأن المادة كانت موجودة منذ الأزل، حيث أن الدنيا وجدت بولادة النظام من رحم الفوضى والعماء و الظلام ـ وهو نفس ما كان يعتقده السومريون أيضًا ـ، وكان لهذه الهاوية قوة داخلية ثم أمرت هذه القوة الخالقة نفسها ببدء النظام. ولم تكن هذه القدرة السرية الموجودة داخل المادة في هذه الفوضى على وعي بذاتها ... كانت هذه القوة احتمالًا من الاحتمالات وقوة ظهرت من رحم الفوضى نتيجة مصادفات عمياء.
ويعلِّق مؤلفا كتاب"مفتاح حيرام"على تلك الفلسفة المصرية الوثنية بالتطرق إلى امتداداتها الحديثة قائلَين:
".. والغريب أن هذا التعريف للخلق يتطابق تمامًا مع النظرة الحالية للعلم الحديث ولا سيما مع"نظرية الفوضى"من ناحية تطور الأنظمة المختلطة والمشوشة رياضيًا مكررة نفسها رياضيًا ونتيجة للنظام".
.. والمذهل في الأمر أن هذه الفلسفة المصرية الوثنية هي الفلسفة المطروحة في أيامنا الحالية من قبل أنصار"نظرية التطور"و"نظرية الفوضى"لا سيما في مجموع طروحات ماركس و دارون مع الفلسفة الهيغلية، إلاَّ أن الافغاني رجع الى المصادر القديمة .. فتأمل!
(يُتْبَعُ)