فهرس الكتاب

الصفحة 3188 من 28557

إن هذا المنهج - والله - بقدر ضلاله بقدر ما يثير الشفقة والرحمة والعطف على أسرائه, لأن ما يطرحه خلو من العقل وصفر من العلم يستحيل أن يكون مادة للنقاش, إلا على طرائق السفسطائية, إذ يتناقض مع الضرورات الشرعية والعقلية والفطرية , ويتنافى مع المنهجية العلمية , ولكن حسبه أن يكون رائدًا في مجالس التندر والضحك والسمر, يقطع بذكره عناء الطريق ولغبه.

الثاني: المنهج النزقي المتشنج, ذاك المنهج الذي أقام أصوله الفكرية والاستدلالية على الطيش والنزاقة , فكثر مريدوه من خفافيش الفكر وأسراب من طيور الرخم , علَّمهم ذاك المنهج أنواعًا من النقد الطائش , وألوانًا من حماقة التفكير ورقاعته ,ورباهم على فساد الظن بالمسلمين وتصنيف المؤمنين.

ولقد عجز هذا المنهج عن التعايش مع هدوء الحوار وسكينة النقد , فحوّل رَشْقَ القلم إلى قعقعة , وهمس الأفواه إلى هدير الفحول وجرجرتها, وعندها أصبحت شدة الصلف وكثرة السرف والتطاول والغلظة والفظاظة من الديانة الواجبة والفرائض اللازمة.

وكل ذلك راجع إلى ضمور الخريطة الإدراكية , وضيق الأفق المعرفي, وذبول النقد الإيجابي الملتزم بآدابه المنهجية والسلوكية , وكلها راجعة إلى أزمة واحدة وهي [الأمية الفكرية] .

ومن صور أمية هذا المنهج - وهي كثيرة لا تكاد تحصى - إنكاره على بعض المفكرين، والذي اتخذه هدفًا معرفيًا لمشروعه النقدي وغرضًا لأسهمه، في وصفه القرآن بأنه"سحر"، وما يعني ذاك المفكر إلا سحر البيان , فطفق يشنع عليه ويشغب!! , إذ - في نظره - كيف يكون القرآن سحرًا والله حرّم السحر وجعله كفرًا؟! فهل رأيت أو سمعت في عالم النقد أكثر حنكة ودقة من هذا النقد؟!!

فلضيق فكره الإدراكي فسر وصف المؤمن للقرآن بالسحر , بكبيرة الكبائر وموبقة البوائق , وعجز فكره عن إدراك معانٍ للسحر غير ما توهم , كما عجز الفلاحون الأجلاف عن إدراك معانٍ أخرى من وصف"الكفار".

تلك أضواء خاطفة على هذه الأزمة الفكرية المتمثلة في عنوانها العريض , وهو [الفساد في التصور , والعبثية في الاستدلال والتناقض في النتائج] .

وحتى لا نفجع بأجيالنا ... يجب على العلماء والمربين والحكماء أن يعيدوا النظر في منهجية التعليم وطرائقه , فليس العلم والثقافة مجرد الحفظ والحقائق الجاهزة , بل العلم والثقافة امتلاك المنهج المنضبط, وتنمية قدرات التعليم الذاتي , والبحث عن الحقائق بواسطة تحليلها وتركيبها , وإلا فإن في نمط التعليم التلقيني الذي أدمناه من مرحلة الروضة إلى مرحلة الجامعة , وفي مجرد تكرار المحفوظ وإعادته كسلًا للأذهان وتلبدًا للمدارك, تصبح فيه العقول سجنًا مظلمًا كئيبًا لا تطلع عليه شمس ولا ينفذ إليه هواء.

وبذلك نكون عاجزين فكريًا عن التعامل الراشد مع نواحي الحياة ومجالاتها العلمية والعملية , في العلوم الشرعية ومقاصدها , والسياسة ونقدها , والاقتصاد وفقه , والتربية وواقعها , بل وفي حياتنا الخاصة ومتطلباتها.

منقول من مجلة العصر

ـ [خالد المرسى] ــــــــ [26 - Aug-2007, مساء 03:43] ـ

هذا الموضوع في هذا المجلس وهو اقل المواضيع من حيث عدد المشاهدات

فهل هذا يدل على شئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت