فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 28557

فلعل مثل هذه التصريحات العفوية تساعد على إعطاء نظرة أكثر واقعية لحقيقة وحجم الخلاف السُّني الشيعي، بعيدًا عن التطرف في الجهتين. بين من يجعله خلافًا شكليًا فرعيًا، وبين من يجعله خلافًا مستعصيًا على الحل.

قبل أكثر من سنة حين كان الصفار ضيفًا على مكاشفات الأستاذ عبدالعزيز قاسم في ملحق (الرسالة) ، حاول جاهدًا أن يُحلق بقراء المكاشفات في عالم الخيال والأوهام، واجتهد في تصوير الخلاف السُّني الشيعي على أنه خلاف يسيرٌ لا يمسُّ الأصول، وإنما هو فقط في بعض تفاصيل الاعتقاد. وذكر أن ما يوجَد لدى الشيعة من غلوٍّ لا يعدو أن يكون ممارسات لبعض المتطرفين الذين يوجد مثلهم لدى السنة.

بالنسبة لي أتمنى لو كان الأمر كما يقوله الصفار، لكني أدرك كما يدرك كلُّ من له معرفة بحقيقة الحال أن الواقع يخالف كلامه تمامًا، وأن هذا الخلاف يبلغ من العمق والضخامة مبلغًا يجعل مِن تجاهله والتغافل عنه مسلكًا بالغ الخطورة.

ولتوضيح هذه النقطة دعونا نتساءل مع الشيخ الصفار: فالعراق اليوم يوجد به المذهب الحنفي والمذهب الشافعي، وبين المذهبين خلافات كثيرة في الفروع. فهل يستطيع العدو استثمار هذه الخلافات لبث اقتتال داخلي؟ أو أن هذه الفكرة غير واردة إطلاقًا؟

ولماذا ينجح العدو بسهولة في استثمار الانقسام السُّني الشيعي؟ ألأجل عظمة مكره ودهائه فقط؟ أو لأجل شدة سذاجة وغباء العراقيين؟ أو أن السبب يرجع للطبيعة المعقدة لهذا الخلاف؟

جميع شواهد الحال وحقائق التاريخ تؤكد الجواب الأخير وإن كانت العوامل الأخرى غير منفية. فالواقع يشهد أن الانقسام السُّني الشيعي بطبيعته قابل للاشتعال في أي لحظة تغيب أو تضعف فيها السلطة المسيطرة. وهذا ما نراه الآن ماثلًا أمام أعيننا بالعراق.

• أسباب اشتعال الفتنة الطائفية

وسبب قابلية هذا الاختلاف للاشتعال يرجع لكون المذهبين يحملان في (أصولهما) مبادئ وقواعد متناقضة تؤسس للتناحر والتصادم. وهذه المبادئ كلها تحمل اسم الإسلام لدى الفئتين فتكتسب بذلك الشرعية الدينية. وتمسُّك الفريقين بمبادئ متناقضة يعني وقوع الصِّدام لا محالة؛ إذ كلُّ عاقلٍ يدرك أن الصِّدام على الأرض لا بدَّ أن يسبقه صدامٌ بين الأفكار والقناعات. وما لم يكن هناك استعداد لمناقشة هذه الحقيقة ومعالجتها فسوف تظل النار خامدةً تحت الرماد في انتظار من ينفخ فيها.

قد تبدو هذه النظرة متشائمة بالنسبة لبعض القراء. لكن لدينا من المصائب ما يغنينا عن مخادعة أنفسنا بواقعٍ حالمٍ لا حقيقة له. ومن أعظم الجناية على الناس تزوير الواقع وتزييف الحقائق لهم. فسبيل العلاج لا يكون عن طريق خطب ومقالات تطالب بالتخلي عن الكراهية والفرقة واللعن والتكفير، ما لم يصحب ذلك معالجة للأسباب التي أوجدت هذه النتائج.

وقد رأيت الشيخ الصفار في كتاباته ولقاءاته يحرص كلَّ الحرص على تجنب الدخول في مناقشة التناقض الخطير والكامن بين أصول المذهبين، ويكتفي فقط بالحديث عن خطورة الافتراق، وعن أهمية الاتحاد في وجه العدو الخارجي، ليزيد بكلامه هذا من ثروة الأمة من أدبيات الوحدة وفقرها المدقع لآليات التطبيق.

• بين أحمد الكاتب وحسن الصفار

ولمزيد من الإيضاح سوف أعقد هنا مقارنةً بين موقفين تجاه حدثٍ واحد. موقف للشيخ حسن الصفار وموقف آخر لباحثٍ شيعي هو في رأيي أكثر صدقًا مع نفسه ومع بني طائفته، وأكثر إدراكًا لحجم الخلاف وحقيقته ودوافعه. وهو الباحث الشيعي العراقي د. أحمد الكاتب. فحين حلَّ الصفار ضيفًا على مكاشفات ملحق الرسالة، سُئل عن حادثة الخطيب الكويتي الشيعي ياسر الحبيب الذي أثار ضجةً بالكويت حين ألقى خطبةً نال فيها من الخليفتين أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ووصفهما بالكفر والردة عن دين الإسلام! هنا علَّق الصفار بأن"هذا عملٌ فرديٌّ سيء". وذكر أن ياسر الحبيب:"ليس عالمًا ولا خطيبًا وليس ذا موقعية دينية أو اجتماعية".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت