4 -ما علاقة تحديد المكان الذي وُلِدَ فيه الرسول (ص) بموضوع محبته ... حيث شغل الدكتور حيزًا من كتابه في البحث عن تحديده من صفحة (179) إلى (191) ، وأتعب فكره وقلمه في ذلك بما لا جدوى من ورائه، ولم نكلف بمعرفته.
هل عيَّن رسول الله (ص) هذا المكان لأمته؟!
هل اعتنى الصحابة والتابعون ومن بعدهم من القرون المفضلة وأئمة الإسلام المعتبرون بتعيين هذا المكان؟!
وماذا يرجع على الأمة من تعيينه؟!
لو كان في ذلك ما يعود على الأمة بخير؛ ما تركه الرسول (ص) وصحابته، بل إن الرسول (ص)
لم يهتم بشأن بيته الذي كان يسكنه في مكة قبل الهجرة، ولما سُئِل (ص) لما قدم مكة، فقيل له: أتنزل في دارك؟ قال (ص) وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟
ما كان (ص) يهتم بالأمكنة التي سكنها وعاش فيها؛ فضلًا عن أن يهتم بالمكان الذي ولد فيه، ولم يكن صحابته يفعلون ذلك؛ لأن ذلك يُفْضي إلى أن نتخذ هذه الأمكنة مُتَعَبَّدات ومعتقدات فاسدة.
إن النبي (ص) بعد البعثة لم يتهم بشأن غار حراء الذي ابتدأ نزول الوحي عليه فيه، لأن الله لم يأمره بذلك.
ولما رأى عمر رضي الله عنه الناس يذهبون إلى الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان؛ قطعها مخافة أن يُفْتَن الناس بها.
فلا تفتحوا للناس بابًا مغلقًا، وتذكروا قوله تعالى:?فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ?] النور:63[.
ولهذا لا نجد في كتاب الله ولا في سنة نبيه r إشارة إلى البقعة التي وُلِدَ فيها رسول الله (ص) لأنه لا فائدة من ذلك، وليس في الاعتناء بذلك دلالة على محبته (ص) وإنما علامة محبته (ص) اتباعه، والعمل بسنته، وترك ما نهى عنه؛ كما قال الشاعر الحكيم في ملازمة المحبة
للطاعة:
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المُحِبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ
5 ـ حشد معالي الدكتور في كتابه هذا أمورًا وأشياء كثيرة فيها نظر، وذكر فيه أحاديث
لم يبين درجتها، ولم يوثقها من دواوين السنة المعتبرة.
والواجب عليه - كباحث يحمل أكبر درجة علمية - أن لا يهمل ذلك؛ لأن القراء ينتظرون منه ومن أمثاله أن يقدم لهم بحثًا مستوفيًا للجوانب العلمية والمعنوية.
ومما جاء في كتابه:
أ- أبيات (طلع البدر علينا) ؛ قال عنها:
(هذا نشيد سمعه رسول الله(ص) دون شك ولا ريب).
إلى أن قال: (وقد ارتفع هذا النشيد لأول مرة من حناجر المسلمين المهاجرين والأنصار منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا) .
ونقول: ما الذي يجعلك يا معالي الدكتور تجزم بسماع الرسول (ص) لهذا النشيد دون شك أو ريب؟
وما الذي يجعلك تجزم بنسبته إلى المهاجرين والأنصار؟ أين سندك في هذا؟
أيظن معاليكم أن القراء يقتنعون بمثل هذا الكلام دون تحقيق وتوثيق؟
كلا.
ب - في (ص 111) قال معالي الدكتور:
(وقد سئل(ص) عن سنته؟ فقال: المعرفة رأس مالي، والحب أساسي، والشوق مركبي ... ) إلخ.
ولا ندري من أين جاء الدكتور بهذا الحديث، فهو لم يذكر له سندًا، ولم يعزه إلى كتاب،
ولا تجوز النسبة إلى الرسول (ص) دون تثبت؛ لأن ما يُنْسَب قد يكون مكذوبًا على
رسول الله (ص) فيدخل تحت قول رسول الله (ص) من كذب عليَّ متعمدًا؛ فليتبوا
مقعده من النار.
6 -في الكتاب مبالغات في حقه r قد نهى عنها، حيث قال عليه الصلاة والسلام:
(لا تُطْروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) رواه البخاري وغيره.
ومن هذه المبالغات:
أ- ما جاء في (ص113) :
(واجب على كل مؤمن متى ذَكَره أو ذُكِر عنده أن يخضع ويخشع ... إلخ) .
ونقول تعقيبًا على ذلك: أليس الخضوع والعبادة حق لله؟!
وكذلك الخضوع إذا كان القصد منه الخضوع بالجسم؛ فهو لا يكون إلا لله؛ لأنه سبحانه هو الذي يُرْكَع له ويُسْجَد، وإذا كان المراد به الانقياد لطاعته؛ فالتعبير خطأ؛ لأنه موهم.
والمشروع عند ذكره (ص) هو الصلاة عليه، لا ما ذكره معالي الدكتور، وإن كان قد نقله عن غيره؛ فهو قد أقره.
ب- جاء في (ص208) قوله:
(ومما تجدر الإشارة إليه أنه(ص) أول الأنبياء خلقًا، وإن كان آخرهم مبعثًا).
هكذا قال! ولم يذكر له مستندًا ولا دليلا ً!!
وهل هناك أحد من بني آدم يخلق قبل خلق أبيه وأمه بآلاف السنين؟!
أليس نسل آدم كلهم من ماء مهين و ?مَاءٍ دَافِقٍ* يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ?
] الطارق:6 - 7 [؟!
كيف يُخْلَق محمد (ص) قبل الأنبياء، ثم يُخْلَق مرة ثانية، ويولد بعدما تزوج أبوه بأمه، وحملت به عن طريق انتقاله ماءً دافقًا من صلب أبيه إلى رحم أمه؛ كما هي سنة الله في بني آدم؟! هل خُلِق مرتين؟!
ويصر الدكتور على هذه المقالة المنكرة، حيث يقول في (ص211) :
(ولقد أنكر بعض المحْدَثين(يعني: المعاصرين) من الغيورين على الإسلام أن يكون سيدنا محمد (ص) خُلِق قبل آدم عليه السلام ... إلخ).
ويرد على هذا المنكر برد لا طائل تحته.
ومعنى كلامه أن أكثر المعاصرين موافقون له على هذه المقالة، أما السابقون؛ فلم يستثني منهم أحدًا.
وهذا من التلبيس والمجازفة؛ فإن هذا القول لم يقل به أحدٌ يُعْتَدُّ به من الأمة لا قديمًا
ولا حديثًا.
وإذا كان محمد (ص) خُلِق قبل آدم؛ فهو إذن ليس من بني آدم.
وأيضًا؛ لماذا تحتفلون بولادته وهو مخلوق قبل آدم؟!
هذا تناقض عجيب.
وليت الدكتور بدل أن يقدم للقراء مثل هذه المعلومات الخاطئة قدم لهم معلومات صحيحة
تفيدهم وتنفعهم من الحث على الاقتداء بالرسول (ص) واتِّباعه، وترك ما نهى عنه وحذر من
البدع، فذلك خيرٌ وأبقى.
هذا؛ وسكون لي- إن شاء الله- مع هذا الكتاب جولة أخرى لمناقشته، وليس لي قصد من وراء ذلك إلا بيان الحق والنصيحة.
والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
(يُتْبَعُ)