كفروا السفلى، أي: شريعتهم وشركهم هو المقهور والذليل.
وهذا لا يحققه شياطين الإنس، ولا يتحقق حتى إذا طالب به ودعا إليه كل الفضلاء والصالحين من هذه الأمة
ولا حتى إذا طالبت به كل جماهير الأمة أو أغلبها ـ بمجرد المطالبة ـ وهذا أنموذج
الجزائر ماثل أمام أعيننا حين اختارت الغالبية العظمى من الشعب الجزائري الشريعة، لتحكم حياتها،
عندها تحالفت كل قوى الشر لتحول دون أن تكون كلمة الله هي العليا،
بل وأعلن الرئيس الفرنسي أن الأمر لو احتاج إلى جيش فرنسي ينزل الجزائر لمنع هذا الأمر لفعل.
فلابد إخواننا الأحباب ـ لاستقرار الشريعة في مجتمع ـ لابد من أمة ترى أنه لامناص لها من الالتزام بالكتاب
والسنة والإجماع عليهما وأن هذه هي هويتها التي لا ترضى عنها بديلًا
فلا تجتمع على غيرها.
أمة ترفض العلمانية ـ اللادينية ـ وفصل الدين عن الدولة وترفض ولاء الكافرين والتبعية لمعسكرات الشرك
الدولية من منطلق عقيدة التوحيد، وترى أن القبول لذلك كفر يخرجها من الملة
ـ وهو كذلك في دين الله عز وجل ـ فتستبسل في التمسك بعقيدتها وهويتها وشريعتها مهما كانت الضغوط التي
تتعرض لها. وإذا وجدت تلك الأمة فهذا هو ملء الفراغ السياسي الذي يصرف
عنها كيد أعدائها ليأسهم من تغريبها عن دينها وهويتها وشريعتها، وهذا معنى تحقيق قوله تعالى:) الْيَوْمَ
يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ (،
فالشريعة لا تستقر في مجتمع بدون عقيدة واضحة وهوية واحدة مجردة من الالتباسات، ومجانبة للشرك
والأهواء.
وإلى قومنا ومثقفينا الذين ينادون بالإسلام كهوية ـ تراثًا وثقافة ـ تجمع الأمة في مواجهة الفرانكفونية
(التراث والثقافة الإفرنجية) دون التأكيد على أن يكون مع هذه الهوية،
الشريعة أو العقيدة والتوحيد أو الصبغة نقول: إنكم تبحثون عن سراب أو عن قبض الريح لأن الهوية إنما
هي رابطة تجمع، لا روابط تفريق، يجتمع كل مجموعة من
الناس حول رابطة منها ويرفضون الاجتماع حول غيرها.
وذلك أن الاجتماع على التراث والثقافة الإسلامية فقط كهوية ـ دون أن ترتكز هذه الهوية على التوحيد
الخالص ـ سيسمح بامتزاج النظم الحياتية الإسلامية مع هذه الهوية فيسمح بالاشتراكية
والديمقراطية والرأسمالية وغيرها وبالتالي يكون هناك إسلام اشتراكي له هويته وآخر رأسمالي له رابطته
وثالث ديمقراطي له محور استقطابه ورابع ليبرالي ... و وغيرها من المذاهب
الأرضية اللادينية.
في ظل هذا الالتباس ينادي أناس بالإسلام ـ كتراث وثقافة ـ من وجهة النظر العربية أو التركية أو الفارسية
أو الشرق أوسطية أو غيرها فيكون هناك إسلام عربي وإسلام تركي وإسلام فارسي
وإسلام شرق أوسطي وكذلك آخر بربري وريفي وصحراوي .. إلخ، فيتعدد الإسلام وبالتالي تتعدد الهويات
فيفقد الإسلام بذلك قدرته على الاستقطاب وتبدد هوية المسلمين.
فلذا كي تصلح الهوية الإسلامية كمحور واحد لاستقطاب المسلمين لا بد لها أن ترتكز على التوحيد الخالص
والعقيدة الصحيحة بتصديق خبر الرسول جملة وعلى الغيب والتزام
شريعة الرسول جملة وعلى الغيب مما يعني أنه لابد للهوية من توحيد وعقيدة وشريعة. ولابد للشريعة من
صبغة كما ذكرنا.
وإلى هؤلاء المخلصين الذين يدعون إلى الإسلام كتوحيد وعقيدة دون الصبغة والشريعة والهوية، إن ذلك إخواني
الأحباب سيؤول بنا إلى كوننا مجرد فرقة عقائدية من فرق المسلمين.
وإذا كان عدونا لا يتركنا ـ كما مر بنا ـ لمجرد انتسابنا إلى الإسلام فكيف مع تمسكنا بالإسلام كعقيدة صحيحة
؟.فلابد إذا لحماية هذه العقيدة الصحيحة مع اجتماع الأمة عليها ومناصرة أهل هذه العقيدة عليها وهو
ما يتطلب الهوية الإسلامية التي تجمع الأمة والصبغة التي تصطبغ بها والشريعة التي تحكم حياتها.
لذلك نقول: إن الحركة الإسلامية المعاصرة ما كان ينبغي لها أن تحصر دعوتها في عقيدة يعتقدها الناس وإن
كانت صحيحة ـ ولا سمت وهدي ظاهر ـ وإن كان حسنًا ـ ولا في هوية يجتمع الناس حولها كمقوم من مقومات
اجتماعهم وعنصر من عناصر ارتباطهم ـ وإن كانت قادرة على ذلك ـ ولا في مجموعة قوانين ـ وإن كانت إلهية
ـ تحكم حياتها دون شمولية التوجيه الرباني.
(يُتْبَعُ)