مثله قال: «إذا وجدت شيئًا من ذلك فقل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شى عليم» ، فأجاب بأجوبة مختلفة والعارض كله واحد.
وقبل عليه الصلاة والسلام من أبي بكر ماله كله، وندب غيره إلى استبقاء بعضه وقال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» ، وجاء آخر بمثل بيضة من الذهب فردها في وجهه. وعن أبى رجاء العطاردى قال: قلت للزبير بن العوام: مالى أراكم يا أصحاب محمد من أخف الناس صلاة؟ قال: نبادر الوسواس. هذا مع أن التطويل مستحب ولكن جاء ما يعارضه»، إلخ (45) .
ويعرف الشاطبى هذا المناط الخاص فيقول: «هو نظر في كل مكلَف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية؛ بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة حتى يلقيها ـ يقصد التكاليف ـ هذا المجتهد على ذلك المكلَف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلَف في نفسه بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص؛ إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد كما أنها في العلوم والصنائع كذلك» (46) .
وكما أنه لا يمكن إجراء حكم الكليات الشرعية في جزئياتها على الإطلاق من غير اعتبار خصوصيات الأحوال والأبواب وغير ذلك من الخصوصيات الجزئية، كذلك لا يمكن إجراؤها (47) في كل مكلف على الإطلاق من غير اعتبار بخصوصياتهم، وأفعال المكلفين هى مجال الأحكام الجزئية.
ففي مجال الدعوة والتربية والفتوى لابد من مراعاة الواقع مراعاة دقيقة لتنزيل الأحكام الشرعية على ما يليق في أفعال المكلفين ولكن لايمكن أن ننقل هذا إلى مجال التقريرالمطلق للقواعد الشرعية وترتيب أهميتها وأولوياتها، فالأحاديث المتقدمة (48) مثلًا مجال فتوى وتربية والآيات) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (الاسراء: من الآية23) (49) ، الآيات من سورة الإسراء، أو: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) (الأنعام: من الآية151) (50) ، الآيات من سورة الأنعام مجال تقرير مطلق للقواعد الشرعية.
جـ- تجاهل الواقع ربما أدى إلى تقديم الإسلام للناس في صورة لاهوت، أو نظرية مجردة لا ترتبط ارتباطا وثيقًا بالحياة والسلوك اليومي، وهذا على العكس من طريقة القرآن: (( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الاسراء:106) (51 (الذى أخرج للناس عقيدة من خلال حركة الجماعة وأحداثها وصراعها مع غيرها ونموها وتفاعلها مع نفسها وغيرها .. وأخرج للناس جماعة من خلال تأصيلات العقيدة وتوجيهاتها.
فربط (52) بين الحدث والتوجيه ربطًا دقيقًا مع الحفاظ على تجرد توجيهات العقيدة وقوة تأصيلها إذا ما أردت أن تستخلصها من التنزيل. وهذا أمر في منتهى الأهمية.
تم بحمد الله.
(41) شهادة الحق للمودودى.
(42) راجع أعلام الموقعين لابن القيم.
(43) راجع الموافقات، الجزء الرابع.
(44) سورة هود، الآية: 84 - 86.
(45) الموافقات، جـ4، ص 99 - 103. بتصرف يسير.
(46) الموافقات، جـ4، ص 98.
(47) يعنى الأحكام الجزئية وإجراؤها على المكلفين.
(48) أحاديث أفضل الأعمال.
(49) سورة الإسراء، الآية: 23.
(50) سورة الأنعام، الآية: 151.
(51) سورة الإسراء، الآية: 106.
(52) في ظلال القرآن.