فهرس الكتاب

الصفحة 3653 من 28557

وقد سار سلف الأمة على سبيل الإجلال والتعظيم لله ـ عز وجل ـ وآياته وشعائره، فقال الإمام سفيان بن عيينة: «سمعت من جابر الجعفي (رافضي هلك سنة 721هـ) كلامًا خشيت أن يقع عليّ وعليه البيت4.""

ولما ناظر الإمام الشافعيُّ حفصًا الفردَ (أحد المتكلمين) قال الشافعي: «لقد سمعت من حفص كلامًا لا أقدر أن أحكيه» 5.

وناظر الإمام أحمد القائلين بخَلْق القرآن، فكان مما قاله ـ رحمه الله ـ: «ما رأيت أحدًا طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا بكلام واحتجوا بشيءٍ مَا يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه.» 6.

هكذا كان سلف الأمة يتورعون عن حكاية ضلالات المتكلمين، مع أن زندقة المعاصرين أشنع وأشنع من زندقة المتكلمين بمراحل، فإن بين هاتين الزندقتين مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، فكيف يحلو للبعض أن يقتني كتب الردة وروايات الزندقة دون موجب شرعي؟! لقد قرر ابن القيم أن الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، فلا ضمان في تحريق الكتب المضلة ومحقها7.

فماذا يقال عن كتب الكفر والردة؟!

ومن طريف ما يُحكى في هذا المقام أن الأمير الصنعاني (ت 2811هـ) أصابه داء أعيا الأطباء، فجيء له بكتاب «الإنسان الكامل» لعبد الكريم الجيلي، وكتاب «المضنون به على غير أهله» لأبي حامد الغزالي8. قال الصنعاني: «فطالعت الكتابين، ورأيت فيهما ما هو والله كفر لا يتردد فيه إيمان، فحرّقتهما، ثم جعلت أوراقهما في التنور وخُبِزَ لي على نارهما خبزٌ نضيج، وأكلته بنيّة الشفاء من ذلك الداء، فذهب ـ بحمد الله ـ ذلك الألم، ونمت الليل أو أكثره، وحمدت الله على نصرة دينه وعلى العافية» 9.

ومع القناعة بأهمية معرفة سبيل المجرمين على سبيل التفصيل، واليقين بأن معرفة ذلك مما يزيد العبد إيمانًا ورسوخًا، إلا أن المقصود هو مجانبة الإفراط والتوسع في ذلك، فلا يشتغل كل من هبَّ ودبَّ بحيازة علوم (الزندقة) وموادها، بل إنما يتولى ذلك عالم راسخ أو باحث ثقة ونحوهما، وبالقدر الذي تتحقق به معرفة الباطل، ومن أجل نقضه وهتكه، كما أن مخاطبة العامة وتحذيرهم من زندقةِ ورِدّةِ كُتّابٍ وحَمَلة أقلام ينبغي أن يكون بحذر وقدر، فالاسترسال بعرض باطلهم وزخرف قولهم وتزويق كلامهم قد يفضي بالعامة وأشباههم إلى انخداع وشكوك، ويوقع في جرأة ورعونة في التفوّه بهذه الضلالات. نسأل الله الثبات."ربَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" (آل عمران/8)

1 أخرجه أحمد: 2/ 27. وابن خزيمة في كتاب التوحيد، ح (59) .

2 أخرجه أبو الشيخ في العظمة: 1/ 143.

3 انظر: تفسير القرطبي: 11/ 851، وتفسير ابن كثير: 3/ 631.

4 أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم: 2/ 611.

5 أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم: 2/ 611.

6 الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، لابن بطة، (ت: الوابل) ، 2/ 55.

7 انظر: الطرق الحكمية، ص 452.

.8 هذان الكتابان حافلان بالضلال المبين والزندقة والشطح

9 مصلح اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني، لعبد الرحمن بعكر، ص 921.

ـ [أبو أحمد العنزي] ــــــــ [25 - Mar-2008, مساء 12:50] ـ

ام الفضل مقالة الشيخ العبداللطيف تحتاج لموضوع مستقل. لكي نسمع من الاخوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت