فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فربما لا يعلم كتبة الأفكار و ممثلو الأدوار ومن يُصفِّق لهم من تلاميذ المسلسلات: أنَّ النظام القانوني الإنجليزي والنظم التابعة لمدرسته كالاسترالي مثلًا، تُعد أكثر النظم توسعًا فيما تمنحه للقاضي من سلطة تقديرية في تطبيق العقوبة، فلا يقيد القاضي إلا الحدّ الأقصى الذي يقرِّره القانون لكل جريمة إن كانت العقوبة مدونة في تقنين أو سابقة.
وأنَّه إذا وجد خطأ خارج هذا الإطار، فليس مردّه السلطة التقديرية التي يُفتَرضُ فيها توخّى العدالة، وإنَّما يرجع إلى أسباب أخرى تمثل انحرافًا عن العدالة المطلوبة في القانون العقلي، وهذا أمر يشهد به أساتذة القانون، من مثل king و radzinowicz إذ قالا:"لقد اتخذ القضاة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وانجلترا وفرنسا من السلطة التقديرية الممنوحة لهم ذريعة لإرضاء الرأي العام عند اختيار العقوبة، وقاموا بتوجيه الاستجواب وجهة غالبًا ما تكون غير ذات صلة بموضوع الجريمة، ومن ثمّ استُخدمت هذه السلطة كأداة خرجت عن الغاية التي من أجلها مُنحت".
ولكشف ما يرمي إليه الأستاذان، يحسن أن أذكر أن الدراسات الإحصائية التي قام بها متخصصون في مقاطعة نيويورك الجنوبية سنة 1972م، قد أسفرت عن وجود تفاوت في العقوبة، ولو تساوت في النوع، إذ قد تبيّن أنّ الأحكام الصادرة بعقوبة السجن، أطول في مدتها بالنسبة للمتهمين السود عن نظرائهم من البيض!، في ذات الجرائم التي يرتكبونها، ومع تماثل ظروف ارتكابها.
3)إن وجود قضاء لا يتفاوت فيه تقدير العقوبة تبعًا لبعض المتغيرات المؤثِّرة في العقوبة تخفيفا وتغليظا، أو ما يعرف بظروف الواقعة: المشدّدة أو المخفّفة، هو في الحقيقة قضاء ظالم، والحلم به جهل بالحقائق، و حلم بالظلم.
ولذلك فشلت محاولات التجاوب المتعدِّدة مع الانتقادات التي وُجِّهت للنظرية القضائية الأمريكية بسبب اختلاف عقوبات الجنايات والجرائم المتشابهة بعد أن اقتُرِح تشريع قانون بعقوبات إجبارية محدّدة بدقة وغير خاضعة لأي تغيير أو تبديل، ومثالها معاقبة اللصوص جميعًا بالسجن لمدة سنة واحدة، مهما كانت الدوافع والأحوال! ولكن تعدد نوعية السرقات وأحوال اللصوص، واختلاف درجات خطورتها، جعل هذا الحكم فاشلًا من الناحية الموضوعية باعتراف القوم أنفسهم.
وقد اعترض القضاة والمحامون وشراح القانون على بعض القوانين التي تسلب القاضي سلطته التقديرية، مع أنَّها وُضعت كحلٍّ لمنع التفاوت؛ وذلك بحجة عدم ملاءمتها، وبعدها عن تحقيق العدالة.
وتقريبا للصورة، وبيانًا لجهالة كتّاب الأفكار فضلًا عن ممثلي الأدوار، فإننا كثيرًا ما نسمع بين العامّة جوابًا لمعترضٍ على تغليظ كلامٍ أو عقوبة على آخر، يقول له الجملة الدّارجة: أنت ما تدري وش سوّى! وما إن يُفصِّل له بعض الأمور ويفسِّر له مثلَها، حتى يجيبه المعترِض: أعوذ بالله! آسف، لا والله أجل أنت على حق!
إنَّ علاج مرض السكّر يختلف من شخصٍ إلى آخر! فربّ مريضٍ بهذا الداء - ذي المسمّى الواحد - ينفعه الله بالحمية، وآخر يجعل الله شفاءه في أكل الحبوب، وثالث لا يفيده _بإذن الله_ إلا حقنة الإنسولين ..
إن وجود قضاء لا يتفاوت فيه تقدير العقوبة تبعًا لشخصية الجاني الإجرامية ومؤثِّرات التفاوت المعروفة، هو في الحقيقة قضاء ظالم، والحلم به جهل بالحقائق، و حلم بالظلم.
هذه باختصار حكاية التفاوت في الأحكام القضائية إذا صدرت من قاضٍ يقضي قضاء قاضٍ في الجنّة. أمَّا تناقض الأحكام فشأن آخر، أوضحه بمثال من القوانين الفيدرالية، ذلك أنَّ جريمة القتل: تكون عقوبتها في ولاية القتل! و في ولاية أخرى السجن! مع أنَّهما تحت حكم دولة واحدة! يحمل مواطنوها جنسية واحدة. وهذا ما يجعل بعض محترفي الإجرام يستدرج ضحيته للولاية الأخف عقوبة!!
4)ومن لطيف ما يكشفه الله ولو بعد حين، ما كشفته الحلقة التي أظهرت المتلبرلين من أهل الشراب والسكر! وفقدان التربية - وفاقد الشيء لا يعطيه - وإن كانت الهداية بيد الله تعالى، إلا أنَّه قد صح في الحديث (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ..
ولئن ساد انطباع مقزِّز من الليبرالية عند مشاهدي هذه الحلقة من البريئين، وانطباع ناقم من كشف شيءٍ من المستور من المُتَهمين، إلا أنَّني تذكرت - وأنا أتابع ردود الفعل تجاه هذه الحلقة - عددًا من المقالات الغاضبة - في أوقات مضت - على المؤسسات الحكومية، التي تكشف مصانع خمرة متستِّرة بين حين وآخر، وتُريق كميات هائلة من منتجاتها المحرّمة علنًا، كما تذكّرت تلك المقالات الناقمة من حماة الفضيلة الرسميين في بلاد الفضيلة على جميع المستويات، وهكذا المؤسسات التي تلاحق من وراء هذا النوع من المجرمين وتُقدِّمه للعدالة، وصولًا إلى المحاكم الشرعية ولاسيما تلك التي تختص بنظر مثل هذا النوع من القضايا ..
فهل يمكن للمتابع أن يقرأ تلك المقالات مرة أخرى في ضوء مشهد الشارب والساقي من جهة، ومشهد الغفلة عن التربية أو عدم الاهتمام بالقيم الفضيلة باسم الحرية من جهة أخرى!! وهل له أن يتأوّل قول الله تعالى:"وشهد شاهد من أهلها"في مواقف يمثلها من له عند القوم احتفاء ومن أجندتهم قرب؟!
نسأل الله أن يحفظ لنا إيماننا وأمننا، وأن يبطل كيد الكائدين، ويهدي ضال المسلمين.
(يُتْبَعُ)