3/ ذهب الشيخ سليم إلى اعتبار المسألة مسألة إجماع في جميع صورها، و الأمر ليس كذلك كما يظهر للناظر في كلام العلماء في تحكيم القوانين.
قالت الجنة الدائمة ـ وفقها الله ـ ردا على بعض طلبة العلم: (( دعواه إجماع أهل السنة على عدم كفر من حكم بغير ما أنزل الله في التشريع العام، إلا بالاستحلال القلبي، كسائر المعاصي التي دون الكفر، و هذا محض افتراء على أهل السنة منشؤه الجهل أو سوء القصد، نسأل الله السلامة و العافية ) ).
4/ جمع المؤلف في كتابه نقولا كثيرة لأهل العلم من المتقدمين و المتأخرين و المعاصرين، و خلط في هذا من جهتين:
الأولى: جمعه بين علماء أهل السنة و علماء الأشاعرة، و معلوم الخلاف بينهم في مسائل الإيمان و الكفر.
و الثانية: سياقه لبعض الأقوال المتناقضة و المختلفة، بدون تنبيه عليها أو توفيق بينها.
5/ نفى في حاشية (ص20) عن الشيخ علي الحلبي حصره الكفر في الجحود و التكذيب في بعض كتبه، ثم قال: (( و لكن الأمر الذي تقهقه منه الثكالى ـ فشر البلية ما يضحك ـ: أن تتبنى بعض المرجعيات العلمية اتهامات التكفيريين و الحركيين الحزبيين ... و هم في الوقت نفسه يعدون أنفسهم امتدادا للدعوة السلفية في جزيرة العرب ... ) ).
إلى أن قال (ص21) : (( إذن فلماذا الكيل بمكيالين، و اللعب على الحبلين، و تفريق السلفية إلى طائفتين: شامية و حجازية؟ ) ).
و أقول: يكفيك من الشر سماع هذا الطعن الشديد في علماء اللجنة الدائمة؛ فهم عند الهلالي ـ عفا الله عنه ـ قد وافقوا التكفيريين مع أنهم يعدون أنفسهم امتدادا لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ، بل هم ممن يكيل بمكيالين و يلعب على الحبلين حتى فرقوا السلفية، و العياذ بالله.
فهل هذا هو موقف أهل السنة مع اللجنة الدائمة بعلمائها الأفاضل؛ نظرة قاتمة، وأحكام ظالمة؟
الجواب الأكيد هو بالنفي قطعا، إلا عند الشيخ سليم الهلالي و من يوافق مشربه.
قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ: (( ليس منا من لم يجل كبيرنا، و يرحم صغيرنا، و يعرف لعالمنا حقه ) )، رواه الإمام أحمد و حسنه العلامة الألباني.
و قال طاووس ـ رحمه الله ـ: (من السنة أن يوقر العالم) .
و صدق الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ حين قال في ''سير أعلام النبلاء'' (8/ 448) : (( إنما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل و الورع ) ).
اللجنة الدائمة أفتت و بينت الحق في مسائل خاض فيها بعض طلبة العلم بغير علم و لا حق، فالواجب شكرهم و الرجوع إلى ما قرروه من حق، أو على الأقل حفظ مكانتهم و منزلتهم.
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: (لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، و عن أمنائهم و علمائهم، فإذا أخذوا عن صغارهم و شرارهم هلكوا) .
6/ ذكر في (ص47 و ما بعدها) أقوال بعض المعاصرين في المسألة، غير أنه أهمل جملة منها لثلَّة من أجلة العلماء؛ كالعلامة المحدث أحمد شاكر و الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي و الأستاذ العلامة محمود شاكر ـ رحمهم الله ـ، و معالي الشيخ العلامة صالح الفوزان ـ حفظه الله ـ، و غيرهم ممن بيَّن و كتب في القضية بما يكفي و يشفي.
7/ لم يستوعب كلام بعض من نقل أقوالهم مثل الحافظ ابن كثير و العلامة الشنقيطي و الشيخ العلامة محمد بن عثيمين ـ رحمهم الله ـ، مع أن تحرير مذهبهم في المسألة يفتقر إلى ذكر جميع أقوالهم و التوفيق بينها.
فمما فاته قول الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي في ''أضواء البيان'' (4/ 66) : (( و بهذه النصوص السماوية التي ذكرناها يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على السنة أوليائه مخالف لما شرعه الله ـ جل و علا ـ على ألسنة رسله ـ صلى الله عليهم و سلم ـ؛ أنه لا يشك في كفرهم إلا من طمس الله بصيرته، و أعماه عن نور الوحي مثلهم ) )اهـ.
5/ ذكر (ص 47 - 52) بعض أقوال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ و لكنها ـ كالعادة ـ غير مستوفاة و لا مستوعبة، بل هناك من الأقوال ما هو أصرح في المسألة، فلم يذكرها حتى يظهر الشيخ في مظهر الموافق لما بنى عليه كتابه، و الأمر في حقيقته ليس كذلك.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه اله ـ: (( القوانين كفر ناقل عن الملة، اعتقاد أنها حاكمة و سائغة، و بعضهم يراها أعظم، فهؤلاء نقضوا شهادة أن محمدا رسول الله، و لا إله إلا الله أيضا نقضوها، فإن من شهادة أن لا اله إلا الله؛ لا مطاع غير الله، كما أنهم نقضوها بعبادة غير الله.
و أما الذي قيل فيه: كفر دون كفر؛ إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص و أن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة و نحوها. أما الذي جعل قوانين بترتيب و تخضيع فهو كفر و إن قالوا أخطأنا و حكم الشرع أعدل، ففرق بين المقرر و المثبت و المرجع ـ جعلوه هو المرجع ـ فهذا كفر ناقل عن الملة )) اهـ، ''مجموع الفتاوى و الرسائل'' له (12/ 280) .
و مع هذا الكلام الصريح، و البيان و التوضيح يقول الشيخ الهلالي ـ سدده الله ـ في (ص53) : (( فلو كان في كلامه في ''تحكيم القوانين'' إجمال؛ ففي هذه الفتوى [انظر ''مجموع الفتاوى''(1/ 80) ] تفصيل و تأصيل ينبغي أن نسير إليه، لكن الحزبيين الحركيين يحاولون إخفاء هذه الفتوى التي نقضت دعواهم، و كشفت أهواءهم؛ فإنا لله و إنا إليه راجعون )).
فأقول: أحسن جواب و أبلغ رد على هذا الكلام هو ما قالته اللجنة الدائمة ـ ردا على بعض طلبة العلم ـ: (( تحريفه لمراد سماحة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله تعالى ـ في رسالته ''تحكيم القوانين الوضعية''، إذ زعم جامع الكتاب المذكور أن الشيخ يشترط الاستحلال القلبي، مع أن كلام الشيخ واضح وضوح الشمس في رسالته المذكورة على جادة أهل السنة و الجماعة ) ).
و عن شبهة تراجع الشيخ محمد بن إبراهيم انظر ـ لزاما ـ ما كتبه الشيخ عبد الله السعد ـ حفظه الله ـ في تقريظه لكتاب ''رفع اللائمة'' (ص53 - 60) ، فإنه نفيس.
و في الأخير هذا ما أردت بيانه، فإن أصبت فمن الله، و إن كان غير ذلك فمن نفسي و الشيطان، وفق الله الجميع لما يحب و يرضاه.
فريد المرادي.
الجزائر في 8 شوال 1428هـ.
(يُتْبَعُ)