ولقد ثبت وجود هذه الطريقة منذ أوائل القرن السادس عشر للمسيح في الأناضول، ثم انتشرت في الروملى وأكثر من مال إليها أمة الأرناؤوط (ألبانيا) ، حتى يقال أن أكثر هذه الأمة بكطاشيون. وأن الفرقة المعروفة بالأناضول، وببلاد الأكراد بقزل باش أو"على إلهي"، هي على عقائد تشابه مذهب البكطاشية وإن كان هؤلاء جميعًا يدّعون كونهم من أهل السنة والجماعة، فالحقيقة ليست كذلك، وهي أنهم من غلاة الشيعة، يعتقدون بإمامة الإثني عشر من آل البيت، ويعظمون كثيرًا جعفر الصادق، ويقولون بالأربعة عشر ولدًا معصومًا، الذين أكثرهم ماتوا شهداء من أولاد علي. ويزورون قبور الأولياء، ويصلون ويدعون عندها.
ويزعم مؤرخو الإفرنج أنه لابد أن يكون البكطاشيون في الأصل نصارى، بحجة أن عندهم التثليث، وذلك بقولهم:"الله. محمد. علي."وأن عندهم نوعًا من الاعتراف بالذنوب يذهبون إلى مشايخهم ويسردون لديهم ذنوبهم، والشيخ يحل من الذنب نظير القسيس عند النصارى. وهم يبيحون الخمر، والنساء لا يسدلن النقاب، وكثير من البكطاشية يتبتلون ويعيشون مجردين من الأزواج، مما جميعه يدل على كون أصل هذه الطريقة غير إسلامي، وأكثر المتبتلين منهم كانوا ينقطعون في تكية"قيزل دلى سلطان"بقرب"ديموطوقة"من ولاية أدرنه. ويعتقد البكطاشية بالعدد لاسيما أربعة، ويقرأون كتاب فضل الحروفى المسمى"بالجاويدان"ويقولون بالتناسخ، والشائع عنهم أنهم لا يقومون بفرائض الدين الإسلامي، فلا صلاة ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، وأنهم قد رفعوا هذه التكاليف، بحجة أنها تجب على المبتدئ لا المنتهي، وأنه بعد الوصول يصبح الانسان في حِلِّ منها.
والشيخ الأكبر للطريقة يقيم بتكية"بيرأوى"أي بيت القطب، في المحل الذي يقال له"حاجى بكطاش"بين"قير شهر"و"قيصرية". وليست هذه الرئاسة إرثية في الأصل، وإنما هي منذ 150سنة في بيت واحد تنتقل من الأب إلى الابن، وللبكطاشية المتبتلين شيخ كبير أيضًا، مركزه التكية المسماة"مجرد بابا سى"أي"أبو المتبتلين". ويسمى شيخ كل تكية"بابا"، والدرويش المقيم بالتكية"مريدًا"والعامي الذي له تعلق بالطريقة"منتسبًا".
وكان للبكطاشية شأن كبير، وكانوا على رباعهم في أيام"وجاق الانكشارية"الذين كان البكطاشية لهم شيوخًا ومرشدين، حتى أصبح اسم"بكطاشية"يطلق على الانكشارية كلهم. وكان في ثكنة الأورطة الرابعة والتسعين، وكيل مقيم للطريقة معروف رسميًا، لذلك كان كلما ثار الانكشارية يشترك مريدو الطريقة البكطاشية معهم في الثورة إلى سنة 1826, إذ استأصل السلطان محمود شأفة الانكشارية، فانقضت صواعق نقمته على جماعة الحاج بكطاش، فتهدم قسم كبير من تكاياهم، لا سيما ما جاور منها الاستانة، وقُتل بعض رؤسائهم ومريديهم ومنهم شيخ تكية"مردفان كوى".
ثم أستأنفت الطريقة البكطاشية بعض ما كان لها من الشأن والحول، ولها من التكايا في الاناضول غير مركز القطب الأكبر، وغير تكية المتبتلين تكية"عثمانجق"في الشمال، وتكية بقرب ضريح الشيخ بطال، من جوار اسكيشهر، ويقال أن لها تكية بجبل المقطم بمصر. اهـ
(من حاضر العالم الإسلامي لشكيب أرسلان/م2 ج 2 ص 349)