فهرس الكتاب

الصفحة 4405 من 28557

ما يطلبونه منهم مما لا يقدر عليه إلا الله, إما حال حياتهم .. وإما لكونه مقدورا في الأصل في حياتهم ولكنه غير مقدور لأجل موتهم ..

فسل نفسك أخي .. هل يكون مخلصا في دعائه من يقول: يا فلان اجلبلي الولد أم يكون مشركا إذ سأل المخلوق ما حقه أن يختص بالخالق"وما أضلنا إلا المجرمون* إذ نسويكم برب العالمين".. وإذا علمت أنه مامن مشرك قط قال: أنا أعدل غير الله بالله .. علمت معنى التسوية في الآية

رابعا-تفنيد شبهتين عند من يدعون الصالحين:-

اعتاد أهل الزيغ أن يلبسوا الحق بالباطل .. فقالوا:إنما نتوجه للصالحين بالطلب لا اعتقادا باستقلال نفعهم وضرهم وإنما لمقامهم عند الله فنتخذهم وسيلة إلى الرب

والرد على هذا يفوق الحصر ولا يسعنا هنا إلا القصر على رد موجز

وهو يأتلف من جزئين:-

1 -بيان أن المشركين كأبي جهل وأضرابه كانوا مقرين بأن الله متفرد بكمال الخلق والتدبير والملك, كما بينه الله تعالى"قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله"

2 -وبيان أنهم كانوا مع ذلك يدعون غير الله فلم يعتدّ الله باعترافهم لأن فعلهم ناقضه وحاصله أنهم أثبتوا نفعا جزئيا لمن يدعونهم فقالوا:"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلا الله زلفى"

وقالوا:"هؤلاء شفعاؤنا عند الله".. فرد الله عليهم دعواهم بقوله سبحانه:"قل أتنبئون الله بما لايعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون"

وذلك عين ما يقوله زوار المقامات اليوم .. فهم يحتجون تارة باتخاذهم وسيلة وقربى وتارة بالشفاعة ولو قدّر جدلا أن إنسانا يجزم بنفي الضرر والنفع مطلقا عن الأولياء فإن دعاءه إياهم لابد مورثه تعلقَ الأسباب بهم وهو يؤول للشرك إذن

وكذلك فإن اعتقاد هؤلاء بأن الصالحين يوصلون حاجاتهم للمولى عز وجل يجعل همتهم تنصرف إلى تعظيمهم والغلو فيهم حتى يرضى هؤلاء عنهم فيقبلوا التوسّط إلى الله! وهذا عين الشرك أيضا .. وأيضا فإن قناعة المستغيثين بهم أنهم غوث كل مكروب يعني أنهم أحاطوا علما بالحاجات الملقاة إليهم في وقت واحد ولا يكون ذلك إلا للعليم الخبير فاشتمل فعلهم على الشرك في الألوهية والربوبية معا

-ثم إن دعوى التوسل بهم إلى الله لفضلهم تنقضها الصيغة المبدوءة بـ"يا"النداء ثم تعقيبها بخطاب المدعو مباشرة بطلب الحاجة التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى

وتنقضها كذلك واقع الحال فإن المشاهد لأحوال هؤلاء يدرك أنهم يعتقدون تأثيرا بالنفع والضر يختص بهؤلاء المعظمين عندهم .. فمن أنكر ذلك مع إصراره على هذا النداء للأموات .. كمن يقول:أعبد الله وحده أثناء سجوده للصنم

والله المستعان

الشبهة الثانية: قولهم إن المشركين إنما دعوا أصناما .. فالجواب أن اللات التي نعى الله عليهم دعاءها ليست إلا علما على رجل صالح كان يلتّ السويق للحجاج كما قال ابن عباس رضي الله عنهما .. فكانوا على التحقيق يدعونه .. كما يدعو أهل زماننا موتى الصالحين أو من يظنونهم كذلك

ثم إن الآيات التي تقدم ذكرها وغيرها عامة وجلية في بيان أن من دعا غير الله أو ناداه فقد اتخذه إلها وإن ادعى عدم ذلك وإليك بيانه

قال تعالى:"ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون"

ولما كان الله تعالى لا معبود بحق سواه, فليس ثم إلهٌ عليه برهان فدل أن من يدعو غير الله تعالى قد اتخذه إلها آخر لا برهان له به, وتأمل خاتمة الآية"إنه لا يفلح الكافرون"

بيان:متى تكون الاستعانة أو الاستغاثة بغير الله جائزة:-

قد يشكل هذا الكلام على أقوام فيقال إذا كانت الاستغاثة بغير الله شركا فما حال الغريق الموشك على الهلكة وحوله أناس قد ينقذونه؟

فالجواب أن الله تعالى إنما حرم الاستغاثة بغيره فيما جرت العادة أنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولذلك قال عز في علاه"إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير"

أما طلب المساعدة والنجدة من الحي بشرط أن تكون في دائرة المقدورات فلا يؤاخذ عليها وليست من الشرك في شيء

وهذه الآية نص في كون دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شرك وكذلك فيها إشارة إلى أن المدعوين من العقلاء لقوله"يكفرون بشرككم"واشتملت أيضا على الإيماء بأن من يصر فيدعو موتى الصالحين لم يقبل خَبَر الخبير الغيبي ولا أمره العيني

وختاما ..

فإن الله أرشدنا لدعائه هو فقال

"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع".. فدل أن من يدعو غيره لم يقنع بقرب الله تعالى كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم وقال لحبر الأمة"إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله (" رواه الترمذي وقال حسن صحيح) "

.. ثم تفضل علينا سبحانه ببيان المسلك الذي يحبه في دعائه هو فقال

-"ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها"فأرشد لطريقة دعائه .. ثم حذر من الوقوع في الشرك به بدعاء غيره فقال سبحانه:"ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم"ثم تحدى من يدعون غيره وتهكم بهم فقال

"قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا"

ثم أثبت أن من تلبس بهذا المنكر فقد أشرك لأن دعاء غيره ليس إلا اتخاذه إلها ,فقال"أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون"فإياك أخي ثم إياك أن تقطع حبل الله الممدود إليك بنصب الوسائط بينك وبين الله .. وقد وقع في عبادتهم من فعل ذلك وإن كان يزعم التوصلّ بهم إلى الرب ويسمي فعله التوسلّ ,كذلك فعل الذين من قبل فقالوا مثل هذا

وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما مزيدا

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت