فهرس الكتاب

الصفحة 4428 من 28557

وهو الأعلى تصورا للقيم والموازين التي توزن بها الحياة والأحداث والأشياء والأشخاص. فالعقيدة المنبثقة عن المعرفة بالله، بصفاته كما جاء بها الإسلام، ومن المعرفة بحقائق القيم في الوجود الكبير لا في ميدان الأرض الصغير. هذه العقيدة من شانها أن تمنح المؤمن تصورا للقيم أعلى وأضبط من تلك الموازين المختلفة في أيدي البشر، الذين لا يدركون إلا ما تحت أقدامهم. ولا يثبتون على ميزان واحد في الجيل الواحد. بل في الأمة الواحدة. بل في النفس الواحدة من حين إلى حين.

وهو الأعلى ضميرا وشعورا، وخلقا وسلوكا. . فإن عقيدته في الله ذي الأسماء الحسنى والصفات المثلى، هي بذاتها موحية بالرفعة والنظافة والطهارة والعفة والتقوى، والعمل الصالح والخلافة الراشدة. فضلا على إيحاء العقيدة عن الجزاء في الآخرة. الجزاء الذي تهون أمامه متاعب الدنيا وآلامها جميعا.

ويطمئن إليه ضمير المؤمن. ولو خرج من الدنيا بغير نصيب.

وهو الأعلى شريعة ونظاما. وحين يراجع المؤمن كل ما عرفته البشرية قديما وحديثا، ويقيسه إلى شريعته ونظامه، فسيراه كله أشبه شيء بمحاولات الأطفال وخبط العميان، إلى جانب الشريعة الناضجة والنظام الكامل. وسينظر إلى البشرية الضالة من عل في عطف وإشفاق على بؤسها وشقوتها، ولا يجد في نفسه إلا الاستعلاء على الشقوة والضلال.

وهكذا كان المسلمون الأوائل يقفون أمام المظاهر الجوفاء، والقوى المنتفخة، والاعتبارات التي كانت تتعبد الناس في الجاهلية. . والجاهلية ليست فترة من الزمان، وإنما هي حالة من الحالات تتكرر كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام، في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء. .

وهكذا وقف المغيرة ابن شعبة أمام صور الجاهلية وأوضاعها وقيمها وتصوراتها في معسكر رستم قائد الفرس المشهور:

(( عن أبي عثمان النهدي قال: لما جاء المغيرة إلى القنطرة، فعبرها إلى أهل فارس أجلسوه، واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيروا من شارتهم تقوية لتهاونهم، فأقبل المغيرة ابن شعبة والقوم في زيهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة - والغلوة مسافة رمية سهم وتقدر بثلاثمائة أو أربعمائة خطوة - لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي على غلوة، وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي حتى يجلس على سريره ووسادته، فوثبوا عليه فترتروه وأنزاوه ومغثوه ، فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما اسفه منكم، انا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا، إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى. وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني ان بعضكم أرباب بعض، وان هذا الأمر لا يستقيم فيكم، فلا تصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني. اليوم علمت ان أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول ) ).

كذلك وقف ربعي بن عامر مع رستم هذا وحاشيته قبل وقعة القادسية:

(( أرسل سعد بن أبي وقاص قبل القادسية ربعي بن عامر رسولا إلى رستم، قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة. ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد. وأقبل وعليه سلاحه وبيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: اني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق لخرق عامتها. فقال رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ) ).

قالها الشهيد -إن شاء الله- سيد قطب ...

ـ [إمام الأندلس] ــــــــ [02 - Dec-2007, مساء 10:22] ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت