من تلك الشبهات.
وقد حكى لنا التاريخ من ضحالة علم هؤلاء بالكتاب والسنة ما جرى للجهم بن صفوان أو الجعد بن درهم أو حتى ابن أبي دؤاد ما يبين أن هؤلاء عبارة عن صورة مطابقة مستقلة لما ينشز من الأرض والمجتمعات , وربك الحكيم العليم كيف وكل هؤلاء إلى شكوكهم وشبهاتهم مع أن الناس في كثير من الأحوال تمر بهم بعض الشبهات التي تكلم الله سبحانه وتعالى عن وجودها في صدر سورة آل عمران , وتكلم عن معاودتها للأنفس , وكما حدث ذلك لبعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان سكوتهم عن إبدائها هو صريح الإيمان كما جاء في مسلم.
ومع قلة مادتهم العلمية رأينا منهم من يفتي في مدلهمات الوقائع والأحداث وهو لا يعرف ما تعرفه عجائزنا من المسنونات فضلا عن الواجبات المتحتمات , حتى تراه يطالب أن يكون هناك حوارا في ذلك مفتوحا لكل احد , مع أن الواقع أن يجعل لكل مخصوص مختص , حتى إن أحدهم يريد أن يناقش في أمور العقيدة وهو لا يعرف معنى لا اله إلا الله مع أنه نشأ في بلد الإسلام.!
إن قصة تلك الفئة المنتكسة بكل مشاهدها وحلقاتها تحكي الاضطراب المنهجي , وأن ما يدعيه هؤلاء من الحرية الفكرية والفلسفات العقلية إنما هي تقعيدات لفسادهم وخللهم العقلي والخلقي لا أكثر , حتى يفكوا عن أنفسهم صبغة الانتكاسة التي لا زال الناس يطاردونهم بها لِما رأوا من خسارتهم لمنهجهم وطريقتهم السليمة السابقة.
ليست المشكلة في إيجاد هؤلاء العذر لأنفسهم في أي قبيحة يفعلونها , لكن المشكلة في البعض حينما يستسيغ تلك الأعذار المكذوبة , وقد تصور أن مثل ذاك الفساد العقلي عبارة عن محاورات أو كتابات أو مقالات أدبية , أو تصرفات طبيعية لكونهم يرونها من باب الحرية الفكرية الشخصية , أو تعدد الآراء.
ولو قيل لهذا المنتكس: مالذي غيرك , أين حرصك على الصلاة , أين دعوتك للناس , لماذا تتساهل بالمنكرات .. ماهذا الاتفاق في المفاهيم مع الليبراليين , وغير ذلك , لقال لك: المسألة خلافية.!! مع علمه داخل نفسه أن ما يقوله خلاف الحقيقة .. !
فإذا عجز عن النقاش وصعبت عليه الحيلة استعان بأقرب ليبرالي لكي يفك عنه الأزمة , حتى يقول لك: انتم لا تقبلون إلا بالرأي الواحد , أو انتم تحتكرون الحق لأنفسكم , أو وصائييون , أو غير ذلك من تلك الألفاظ السائبة والتي جلبها إلينا هؤلاء مما استنشقوه من سموم رحلتهم الغربية. ولو لم يجد المنهزمون في إخوتهم الليبراليين بغيتهم وما يفك كربتهم عن مطاردة الناس لهم غير هذه الطرق - لأوجد لهم الشيطان بابا آخر وطريقة أخرى حتى يجد لنفسه مخرجا و ملاذا عن تدقيق الناس لأفعاله .. ! فإذا رأيت مثل هؤلاء فاحمد الله أن عافاك مما ابتلى به غيرك وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلا.
وقد كان المتابعون من أهل العلم وغيرهم ينتقلون مع المنتكسين في توصيف حالتهم كلما انتقلوا من مرحلة إلى أخرى , فلما كان هؤلاء في بداية أمرهم حينما بدءوا بالنقاش العقلي كان اقرب وصف من الممكن أن ينطبق عليهم هو وصف العقلانية مع ما يعرف من مساوئها - لما كان لهم من سلف حاول هؤلاء أن ينساقوا في طريقهم ظنا منهم أنهم سيجدون خلاصا لموقفهم. ثم لما انتقلوا إلى المرحلة الأخرى وهي محاولة إخضاع الدين لمتطلبات الحضارة الغربية كان اقرب وصف لهم من الممكن أن يوضح حالتهم هو العصرانية بوصفها حالة شاذة انتقلت إلينا من أناس مشبوهين. ثم في الأخير لما تكشفت الحالة ونادوا علنا بما في قلوبهم شعر المتابعون أن ما يقوم به هؤلاء إنما هي انتكاسة عن الطريق , فكان وصف المنتكسين اقرب ما يمكن أن يوضح أمرهم للمسلمين حتى لا ينساقوا أمام تلك الرايات المموهة.
هذه الانتكاسة لا بد أن يدرك الجميع أن هؤلاء هم من تسبب لأنفسهم بها , وهم من قذفها إلى ذلك الجانب , وهم من أوجد لأولئك الفرصة لكي يستثمروا فسادهم العقلي , حتى وصفوهم بالتخصصات المكذوبة , وليس السبب بالضرورة هو هذا المجتمع كما يتوهمه البعض , تماما كما هو الحادث في عهد الصحابة رضوان الله عليهم لما انتكس من انتكس في وقتهم.؟!
ونحن نرى تقلبات هؤلاء أو غيرهم , وانتقال الراية من شيوخهم إليهم , بل ونفوقهم أحيانا على المجتمع نفسه حتى في أولى مراحل انتسابهم للدين - لم يكن للإنسان ليتصور أن يأتي يوم من الأيام ليرى فيه بعضا ممن انتسب في وقت من الأوقات للعلم والدعوة , ليكون بينه وبين فئة الليبراليين نوع تناصر وتعاضد , مع ما يعلمه الجميع من مستوى خلل الليبراليين الفكري والمنهجي - في وقت لا يزال المسلمون فيه أحوج ما يكونون للاجتماع حول المناهج الصافية.
على كل حال الحديث انصب على فئة معينة أرادت أن تصور للناس كما سبق ذكره أن مثل هذا التحول الجديد عبارة عن رأي آخر في مسألة خلافية , بطريقة ملتوية , حتى يوهموا المطلعين - كمرحلة أولية - أن المخالفين لهم هم المخطئون على أقل الأحوال , وفي المرحلة الثانية تصنيفهم بالتشدد والغلو أو الوهابية , ولست أعني بالضرورة من يرى أن هذا التحول الجديد ضعف في الالتزام , أو ضعف في الإيمان , وأن هذا الضعف لا يعني التدليس على العامة بتشويه الحقائق ولي النصوص , إنما هو اعتراف بالواقع , بتصوير حقيقي للحالة , وهؤلاء نسأل الله لهم الهداية والتوفيق ليسوا مقصودنا من هذه الأسطر.
هذه تجربة مرت مع بعض طلبة العلم وبعض الأخوة , وما لنا إلا الظاهر , أما البواطن فقد ذكر لنا منها سبحانه وتعالى علما بين لنا فيه حقيقة وضع هؤلاء المنتكسين ردهم الله إلى رشدهم , وقد قال سبحانه (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) و قال (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) , وغير ذلك كثير في كتاب الله , في مقابل قوله سبحانه (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) , ومن تأمل كلام الله سبحانه علم أنه لا يمكن أن يبصّر الإنسانَ على طريق الهداية ثم يضله سبحانه إلا أن يكون السبب من هذا الشخص كما في الآيات السابقة.
والله اعلم.
عبدالرحمن بن عبدالعزيز الجفن
بريدة
(يُتْبَعُ)