فهرس الكتاب

الصفحة 4742 من 28557

ومن هنا فإنه يجب أن تجند الطاقات الفكرية المعتدلة لمقارعة هذا الفكر الضال, وهذا مما يحسب للجهات المسئولة التي أعطت هذا الموضوع جانبًا من الرعاية والاهتمام, ولذا أصبحنا نسمع عن تراجع أعداد كبيرة من أصحاب هذا الفكر الضال, وفي تقديري أن من لديه وطنية حقيقية يفرح بهذا الإنجاز, ويسعد به, أما من لا يؤمن إلا بلغة السلاح, وصوت الذخيرة, فهذا من وجهة نظري تطرف فكري يحتاج هو الآخر إلى معالجة!

إن المحاضن التربوية يجب أن تلعب دورًا مهمًا في هذا المجال, بدءًا بالبيت والأسرة والمسجد, ومرورًا بوسائل الإعلام المحلية والفضائية, وبالشخصيات العلمية والثقافية النزيهة والمؤثرة, ووصولًا إلى المحاضن التعليمية والتربوية؛ فمحيط الأسرة له أثره الكبير في تربية الابن, وتوجيهه الوجهة التربوية السليمة, لاسيما إذا كانت الأسرة مستقرة, وأجواؤها مطمئنة, يملؤها الجو العاطفي, والحنان الأبوي, وحضن الأم الدافئ, ويمثلها القدوة الحسنة في الأب والأم, وحينئذ يستقر الابن, وتطمئن نفسه, وتهدأ جوارحه, ويملأ البيت جوانحه بالأنس والسرور والسعادة, ولا يفتش خارج المنزل أو تحت كواليس الانترنت عن صديق يسد فراغًا عاطفيًا في نفسه, ولا ينقب عن صاحب يلمم جراحاته, ويكفكف دموعه وآهاته. ومن المعلوم أن الولد الذي يُربى بالقسوة والعنف, ويعيش في بيت يكتنفه الغلظة والجفاء, لا ينشأ إلا عاقًّا, ينتظر الفرصة للانتقام من مجتمعه, أو من مربيه.

أما وسائل الإعلام المختلفة, فقد دخلت كل بيت, وملأت كل زاوية, وتسللت إلى كل قلب, وتوظيفها في مقارعة الفكر المتطرف بكل صراحة وموضوعية-بعيدًا عن التجريح والإسفاف- له دوره الكبير والفعال أيضًا.

أما الشخصيات العلمية والثقافية, فعليهم واجب آخر, بما يحملونه من علم, وثقافة, سواء باللسان أو بالقلم, كل بما يستطيع, والعلماء وطلاب العلم والمثقفون الشرفاء ممن عرفوا بالصدق والنزاهة والوطنية هم أجدر بالقيام بهذا الدور الهام؛ لأنه من أبسط الحقوق الذي يفرضه الواجب الديني, ويمليه الحس الوطني, ولئلا يوظف هذا الموضوع من قبل من يتشدق بالوطنية لأغراض وأهواء داخلية, أو أجندة خارجية, فيساوم على الوطنية, أو يجيد اختطافها متى سنحت له الفرصة بذلك.

أما المحاضن التعليمية والتربوية, الحكومية منها والأهلية, على المستوى الجامعي وما دونه, هذه أيضًا عليها دور هام جدًا, وذلك من خلال تدريس المواد الشرعية والتربوية التي تغرس في نفوس الطلاب بعض المعاني الإسلامية الوسطية السامية, والتي تحث المسلم على فعل المعروف, بدأ بحقوق المسلم على أخيه المسلم, سواء كان أمًا أو أبًا أو زوجًا أو قريبًا, وسواء الراعي والرعية, ومرورًا بحق الإنسان, أيًا كان مسلمًا أو غير مسلم, بإماطة الأذى عن الطريق, وإعانة الضعيف, والإحسان إلى الجار والفقير ... الخ, وانتهاء بحق الحيوان, وعرض نماذجه الحية في الإسلام, كما في سقي الكلب الذي أدخل البغي الجنة, وحبس القط الذي أدخل المرأة النار, فغرس هذه المعاني السامية التي تحث على فعل المعروف بالمسلم والإنسان والحيوان, والمعاني الأخرى التي تمنع من المنكر وتحذر منه, كالنصوص الشرعية التي جاءت بتحريم قتل النفس المعصومة, وإثم ترويع الآمنين, ونحو ذلك مما حذر منه الإسلام, غرس هذه المعاني له أثره الكبير والعميق, لاسيما إذا كان التعليم على أيد مؤهلة, تحمل هم الدين, وتكرس معنى الوسطية, وتشعر بعمق الانتماء لهذا الوطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت