بيد أن هذا الأمل اليقيني قد أصابته آفة الاستعجال، فظن البعض أن هذا الأمل طالما كان"يقينيًا"فلماذا لا يكون الآن؟، ونسي هؤلاء أن وعد الله واقع لا محالة إلا أن هذا الوعد وقته غير معلوم لنا، وهو كذلك يقع بأسباب ككل سنن الله في الكون، مما يعني أنه لابد من مراعاة السنن الشرعية والكونية في التعامل مع أي موقف، وهذا ما ربَّى الله -عز وجل- المؤمنين عليه حينما أرى رسوله -صلى الله عليه وسلم- رؤيا دخوله المسجد الحرام، وجاء الصحابة -رضي الله عنهم- وكلهم يقين أنهم سيدخلون المسجد الحرام، ولكنهم توهموا أن هذا الوعد سوف يتحقق هذا العام، بينما قدر الله عز وجل أن يعمد المشركون إلى صد المسلمين عن البيت الحرام، وأن تقتضي قواعد الشرع مهادنة المشركين والرجوع عن البيت الحرام -رغم الوعد اليقيني من الله بدخوله- حفظًا لأرواح مؤمنين مستضعفين في مكة يكتمون إيمانهم، قال تعالى: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الفتح: 25) ، وتعظيما لحرمة البيت الحرام كما قال -صلى الله عليه وسلم- (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) رواه البخاري.
وقد كان هذا الصلح فتنة واختبارا لمعظم الصحابة وجادلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، أملا ً أن يُنسخ هذا الحكم ويُبدل إلى الأمر بالقتال، حتى تبين لهم أن الأمر قد حسم بعد ما رأوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدأ بنفسه فتحلل من إحرامه بناءًا على نصيحة أم سلمة -رضي الله عنها-، وأكثر عمر -رضي الله عنه- من جدال النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان مما قاله (أولست تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟، قال بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟، قلت لا، قال فإنك آتيه ومطوف به) رواه البخاري.
فعلم من ذلك أن الثقة بنصر الله واليقين بصدق وعده لا يعني الاستعجال، لأن الاستعجال آفة تجعل صاحبها يقفز فوق السنن الشرعية والكونية فيفسد من حيث يريد أن يصلح، وما أحسن جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما حينما جاءه خباب -رضي الله عنه- سائلًا للدعاء والاستنصار وهو أمر مشروع في ذاته، ولكن لهجة خباب -رضي الله عنه-"ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا"كان وراءها ما وراءها، فكانت تلك الإجابة الجامعة من الرسول -صلى الله عليه وسلم- تدعو إلى الجمع بين الصبر على الواقع واليقين بوعد الله تعالى (والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) رواه البخاري.
ومن هذا قول الله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) ، وعلق على ذلك بعض السلف بقوله"بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"، وفي واقعنا المعاصر كم وقعت من محن، وكم أهدرت سنن شرعية وكم قفز فوق سنن كونية، كل هذا لأن بعضا من أصحاب"اليقين"بنصر الله لم يتحلوا بالصبر، ونحمد الله تعالى أن الكثيرين منهم أفرادا وجماعات أصبحوا يدركون أهمية الجمع بين الصبر واليقين.
إلا أن الأعداء ربما وجدوا الفرصة سانحة في أن يهزوا يقين ذوي اليقين بنصر الله ليضموهم إلى قائمة المحبَطين اليائسين الطويلة التي تضم القطاع الأكبر من الأمة الإسلامية، واستجاب لهم بعض الدعاة الذين يرون في الكلام على الأمل المفقود سببًا في ضياع الموجود فأصبح شعارهم"الحفاظ على الموجود"، وصار هم كثير من الدعاة هو أن يصادروا أحلام الأمس، وهذا منهم -عفا الله عنا وعنهم- معالجة خطأ بخطأ، ومخالفة لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، الذي لم يكف عن بث الأمل حتى فيمن وجد عنده بادرة استعجال، فالطبيب إنما يبتر الجزء الفاسد لا الجزء السليم، لاسيما إن كان الجزء السليم من ضرورات الحياة، ولاسيما إن كان لهذا الجزء السليم أثر بالغ في علاج الجزء الفاسد.
أحلام أمتنا أحلام مشروعة،
أحلام صحوتنا أحلام مشروعة،
أحلام ممكنة، بل حاصلة جزمًا لا محالة،
نريد الفرد المسلم في عقيدته، في عبادته، في أخلاقه، في معاملاته، نريد المجتمع المسلم في قضائه، في اقتصاده، في اجتماعه، في سلمه، في حربه، في إعلامه، في تعليمه.
نريد لهذا المجتمع أن يعمر كل ديار الإسلام، وأن ينطلق منها إلى سائر الدنيا بحيث لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا ويدخله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله وذلًا يذل الله به الشرك وأهله.
هذه الآمال -كلها- يجب أن نجمع في الإيمان بها والسعي إليها، نجمع بين الصبر واليقين، ونحن في هذه الأيام المباركة التي تتراءى فيها في مخيلة المؤمنين صور جهاد الخليلين إبراهيم ومحمد -صلى الله عليهما وسلم- صور الإلقاء في النيران، وتجمع الناس على صعيد واحد لاستئصال الدعوة، وفي كل مرة كانت حسبنا الله ونعم الوكيل بالقلب وباللسان هي الحادي الذي يحدو بالنفوس المؤمنة لكي تصبر حتى تصل إلى نصر الله، وحينئذ كانت الفرحة تعم المؤمنين بنصر الله ينصر من يشاء، وكان مع هذا النصر المزيد من الشكر والعبادة تهيأً للفرحة الكبرى يوم يَرد المؤمن على ربه عز وجل، كما أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (سورة النصر) .
موقع صوت السلف ( http://www.salafvoice.com/)