فهرس الكتاب

الصفحة 4853 من 28557

ثم إنه لا يخوض في مثل هذه المسائل إلا من له علم بالتعارض وشروطه، ومعرفة بقواعد الجمع والترجيح، فحقيقة التعارض قررها الأصوليون في مصنفاتهم؛ يقول الفتوحي في شرح الكوكب المنير: (أما التعارض فهو:) تقابل دليلين ولو عامين) في الأصح (على سبيل الممانعة) وذلك إذا كان أحد الدليلين: يدل على الجواز , والدليل الآخر: يدل على المنع. فدليل الجواز: يمنع التحريم , ودليل التحريم: يمنع الجواز , فكل منهما مقابل للآخر , ومعارض له , ومانع له , وذكر بعض أصحابنا عن قوم: منع تعارض عمومين بلا مرجح)، وقال الزركشي في البحر المحيط: (الفصل الأول في التعارض والنظر في حقيقته وشروطه , وأقسامه , وأحكامه أما حقيقته: فهو تفاعل من العرض(بضم العين) وهو الناحية والجهة وكأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عرض بعض , أي: ناحيته وجهته , فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجه , وفي الاصطلاح: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة)، بالنظر والتامل نجد أن لا ممانعة ولا معارضة بين ما ادعته د. حسناء، إذ الوعيد باللعن لمن فعلت شيء من الأمور المذكورة في الحديث لا يتعارض مع آيات الرحمة، فأهل الإيمان والتوحيد لا يزالون مشمولين برحمة الله في الدنيا والآخرة فمن رحمته أنه لا يعاجلهم بالعقوبة بل يمهلهم كي يتوبوا و يؤوبوا، ومن رحمته أنه فتح لهم باب التوبة وهيئ نفوسهم لها ويسرها لهم، ومن رحمته بهم أنه لا يخلدهم في النار بمعاصيهم، بل هم تحت مشيئته إن شاء عذب بعدله وإن شاء غفر وعفا بفضله ورحمته، وأما ما جاء في الحديثين المذكورين من دخول الجنة لأهل التوحيد فأيضا لا تعارض بينهما وبين وعيد الله، فقد قرر الأصوليون من استقراء النصوص والجمع بينها وفق القواعد الشرعية، أن دخول الجنة يكون إما ابتداء لمن كمل إيمانه ولم تشوبه شوائب شرك اوبدع أوكبائر ذنوب، وإما أن يكون استمرارا لمن أتى بما ليس مكفرا ومخرجا عن الملة، وذلك بأ يعذب على قدر ذنوبه ثم يكون مآله إلى الجنة بفضل التوحيد الذي أتى به، وعليه يتضح جهل الدكتورة بمثل هذه الأصول التي قررها العلماء بناء على استقراء النصوص والجمع بينها، وما ظهور الفرق المخالفة في الإسلام من خوارج ومرجئة وغيرهم إلا من مخرجات الجهل والإستعلاء على أهل العلم الراسخين الذين أُمرنا بالرد إليهم وسؤالهم فيما يشكل علينا من أمر ديننا.

ثم ختمت الدكتورة مقالها بقولها:

إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ولا يمكن أن يأتي بما يتعارض مع القرآن الكريم، ولو كان فيما تتزين به النساء مما ورد في الحديث إثم كبير لما أجازه بعض الفقهاء عندما يكون من أجل التزين للزوج! فهل تلعن إذا تزينت لنفسها ولا تلعن إذا تزينت لزوجها؟ وهل يجيزونه لو كانوا متأكدين من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قامت به؟

لقد بحثت في القرآن الكريم عن الآيات التي جاء فيها اللعن، فوجدت إحدى وأربعين آية ورد فيها اللعن بمختلف اشتقاقاته، وجاء على النحو التالي:

1 -إبليس (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) 78سورة ص، (لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا) 118النساء.

2 -الكافرون (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا) 64الأحزاب، ومنهم الذين كفروا بعد إيمانهم (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم بالبينات والله لا يهدي القوم الظالمين، أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) 86و 87آل عمران، ومنهم أيضا الذين كفروا وماتوا وهم كفار (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله) 161البقرة، كذا الذين كفروا من بني إسرائيل (لعن الله الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) 78المائدة. الخ الايات التي احتجت بها في مقالها،ثم قولها تعليقا على الآيات: >> ويتضح من الآيات السابقة أن عدد من لعنوا بلغ حوالي ثماني عشرة فئة، وكلهم قاموا بأعمال شنيعة تتعلق بالكفر والشرك بالله ومخالفة أوامره وتكذيب الرسل وإيذاء الله ورسوله، وبعض تلك الأعمال تطال الآخرين كالإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام وقتل النفس التي حرم الله قتلها وقذف المحصنات. وعندما نقارن ما تقوم به المرأة من تزيين لنفسها عن طريق النمص أو الوشم أو توصيل الشعر أو تفليج الأسنان، نجدها أمورا لا ترقى إلى مستوى الأعمال التي لعن الله أصحابها لما فيها من سوء وفحش وإثم، الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت