ابن باز رحمه الله في انتخاب بينظير بوتو نفسها, مستدلًا بالحديث المشار إليه في مقدمة الخبر إياه؛ فقد سأل مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية بعددها (890) بتاريخ 28 ربيع الاول 1409 هـ سماحةَ الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله, عن ترشيح المراة نفسها لرئاسة الدولة او الحكومة او الوزارة، وكان السؤال نصًا: ماموقف الشرع الاسلامي الحنيف من ترشيح المراة نفسها لرئاسة الدولة او رئاسة الحكومة والوزارة. فأجاب رحمه الله: " الحمد لله وحده .. تولية المرأة واختيارها للرئاسة العامة للمسلمين لا يجوز، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، فمن الكتاب قوله تعالى: (الرِّجال قوَّامون على النِّساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض) , والحكم في الآية عام وشامل لولاية الرجل وقوامته في أسرته, وكذا في الرئاسة العامة من باب أولى. ويؤكد هذا الحكم ورود التعليل في الآية وهو أفضلية العقل والرأي وغيرهما من مؤهلات الحكم والرئاسة.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم لما ولَّى الفرس ابنة كسرى: (( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) )رواه البخاري, ولا شك أنَّ هذا الحديث يدل على تحريم تولية المرأة لإمارة عامة, وكذا توليتها إمارة إقليم أو بلد, لأن ذلك كله له صفة العموم, وقد نفى الرسول صلى الله عليه وسلم الفلاح عمن ولاها, والفلاح هو الظفر والفوز بالخير.
وقد أجمعت الأمة في عهد الخلفاء الراشدين وأئمة القرون الثلاثة المشهود لها بالخير عمليًا على عدم إسناد الإمارة والقضاء إلى امرأة, وقد كان منهن المتفوقات في علوم الدين, اللاتي يُرجع إليهن في علوم القرآن والحديث والأحكام, بل لم تتطلع النساء في تلك القرون إلى تولي الإمارة, وما يتصل بها من المناصب, والزعامات العامة.
ثم إن الأحكام الشرعية العامة تتعارض مع تولية النساء الإمارة؛ فإن الشأن في الإمارة أن يتفقد متولوها أحوال الراعية, ويتولى شؤونها العامة اللازمة لإصلاحها؛ فيضطر إلى الأسفار في الولايات, والاختلاط بأفراد الأمة, وجماعاتها, وإلى قيادة الجيش أحيانًا في الجهاد, وإلى مواجهة الأعداء في إبرام عقود ومعاهدات, وإلى عقد بيعات مع أفراد الأمة, وجماعتها, رجالًا ونساء في السلم والحرب ونحو ذلك, مما لا يتناسب مع أحوال المرأة وما يتعلق بها من أحكام شرعت لحماية عرضها, والحفاظ عليها من التبذل الممقوت ... ".
إلى آخر ما جاء في فتوى سماحته -رحمه الله- من تأكيد عدم جواز تولية المرأة ولاية عامة وهو الرأي الفقهي المشهور عند علماء المسلمين, ولم يستثن بينظير بحكم يتعارض مع الأدلة التي بنى عليها الفتوى. وبحكم تتلمذي على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- في دروسه العلمية المعروفة؛ وبحكم تخصصي في السياسة الشرعية؛ ولعنايتي -مع عدد من المتخصصين- بالتراث السياسي الشرعي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله؛ وبما أنَّ الكاتب المعروف جمال خاشقجي قد قال -بحسب ما ورد في الجريدة-: " وبحكم أنني كنت في ذلك الوقت من ضمن فريق المتحمسين, اتجهت مع مجموعة من العلماء إلى الشيخ ابن باز, وسألته عما إذا كانت ولاية بوتو شرعية أن يُفصح لنا عن أسماء من أشار إليه ... " إلخ .. ؛ ولكي نطمئن إلى دقة النقل عن الشيخ رحمه الله, وصحة الفهم لجوابه .. فإنني أطلب من الكاتب المعروف جمال خاشجقي سلمه الله, أن يذكر لنا أسماء هؤلاء العلماء أو من يتذكره منهم, إن لم يكن مدونا لديه في مذكراته الخاصة بتلك الحقبة؛ وذلك ليتسنى للباحثين المتخصصين التأكّد من دقة ما نسبه إلى الشيخ ابن باز رحمه الله مما هو مخالف لفتواه المشهورة, التي أثبتها عدد ممن كتبوا في حكم تولية المرأة. وأمَّا ان الشيخ رحمه الله لم يفت بخلع بينظير بوتو, فليس هذا لجواز تولية المرأة عنده, وإنَّما هو بناء على أصل سياسي شرعي معروف لدى أهل العلم, وهو التفريق بين وجوب تحقق شروط الولاية عند الاختيار والتعيين الذي هو حكم ثابت؛ وبين العمل بمقتضى السياسة الشرعية في مراعاة المصالح والمفاسد, ودفع شرّ الشرين بارتكاب أدناهما في حال وجود حاكم على خلاف الشروط؛ وهي قاعدة معروفة عند طلاب العلم فضلا عن العلماء, وكم سمعتها من الشيخ رحمه الله وقرأتها له, ومن يقرأ فتاواه ورسائله يعلم أنها من الأصول التي يستند إليها الشيخ كغيره من أهل العلم على مرّ العصور. فالحلال عنده حلال والحرام عنده حرام, وما كان له أن يفتي متعجلا أو متحمسا إلا بما يدين الله به, والمسألة من مسائل السياسة الشرعية, فهي (تسييس!) شرعي؛ وجزء من حقيقة الإسلام, العقيدة والشريعة التي تتفرع عنهما السياسة الشرعية. وإنَّا لمنتظرون لما يثبت صحة ما ذكره الكاتب المعروف جمال خاشقجي, حتى يصح للباحثين نسبته إلى الشيخ باطمئنان, أو يبقى خبرًا لا يتفق مع تراث الشيخ السياسي بل يعارضه, ولا يليق بباحث يحترم العلم وأهله أن ينسبه للشيخ بمجرد ذكره في خبرٍ لمتحمِّس جاء يبتغي فتوى خّلع لرئيسة وزراء! دون مراعاة لما يترتب على خلعها من مفاسد خطيرة, وفساد عريض. وقد بيّن الشيخ ابن باز رحمه الله في غير موضع أن حديث (إلا أن تروا كفرا بواحا) على صراحته - وهو أشدّ من شرط الذكورة في الولاية - ليس على إطلاقه, بل هو مقيد بالقواعد الشرعية العامة التي تتطلب امتلاك قوة وشوكة تؤمن معها المفاسد والشرور التي تحصل بمثل هذه التصرفات.
نسأل الله عز وجل أن ييسر لتراث الشيخ لجنة قوية تقوم بخدمة ذلك التراث العظيم, كما هو شأن مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله, التي اعتنت بتراثه وحفظته ونشرته فعم نفعه بحمد الله.* عضو هيئة التدريس بقسم السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء
(يُتْبَعُ)