ثم يأتي القسيس ليفسر المضاجعة بالفاحشة ( [3] ) ، لأن عقله مريض يتصور المستحيلات، ونفسه خبيثة لا تعرف معنى الطهارة والوفاء.
ومن أمثلة الشبهات غير المعقولة الزعم بوجود أخطاء نحوية في القرآن، وذلك لأن علم النحو الذي يحاكمون القرآن إليه إنما وضعه علماء المسلمين استنباطًا وبناءً على كلام العرب وأشعارهم في الحواضر والبوادي، ومحمد صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن على هؤلاء، والذين تلقوا القرآن لأول مرة هم أيضًا من هؤلاء، فيصير من غير المعقول -ابتداءً- أن توضع القواعد استنادا على كلام أهل البادية ومحمد صلى الله عليه وسلم منهم .. ثم يتهم هو بالخطأ في النحو!
ومن غير المعقول - انتهاءً- أن يتلقى هؤلاء جميعًا خطأ ما في الكلام دون أن ينتبهوا إليه، وهم الحجة الطبيعية لعلماء النحو واللغة .. !
ولكن ما الذي جرّأ هذا القسيس الكذاب على الوصول إلى هذه المرحلة من الكذب؟!
الحقيقة أن الإجابة تكمن في المقارنة بين التصور الإسلامي وبين غيره من التصورات فيما يتعلق بمقام النبوة ..
فعندما تجرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بافتراء الفاحشة من رسول الله فإنما كان ذلك لأن أكثر ما ذكره الكتاب المقدس عن الأنبياء هو زنى المحارم .. !
ولكن النبوة في الإسلام مقام آخر وشأن آخر ..
حتى أن علي بن أبي طالب جعل يقول: لو سمعت رجلا يقول على داود ما قالت اليهود لأقمت عليه الحد.
وعندما تجرأ وقال قولا من عنده زاعما أنه من القرآن، فانما كان ذلك لأن الكتاب عندهم قابل للزيادة والنقصان حتى تُحكَى فيه المراسلات الشخصية ( [4] ) .
أما رد الفعل الإسلامي أمام هذه الهجمة فيمكن تفسيره بالصدمة ..
الصدمة التي أصابت المسلمين فجعلتهم يقوموا ليدافعوا عن دينهم أمام هذا الغادر، فكثرت الردود على مثل هذا الكذاب لا ليدل ذلك على أهميته، بل ليدل على عاطفة المسلمين نحو دينهم، ورغبة كل مسلم في أن ينال شرف الدفاع عن الإسلام ..
وبفضل الله عز وجل فقد أعطت هذه الظاهرة السوداء في الواقع بيانات خطيرة للغاية كان أهمها:
ـ انتباه المسلمين لطبيعة وحجم الإحساسات التي يحملها هذا القسيس ومن على شاكلته تجاه الإسلام وأهله، إلى الدرجة التي لم يكن ليصدقها أحد لولا أن رأى المسلمون بأعينهم وسمعوا بآذانهم، وصدق الله: ? قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ? [آل عمران: 118] .
ـ وكذلك انتباه المسلمين إلى ضرورة الدراسة الجادة للدين والسيرة، مما أوجد حركة علمية وفكرية نشطة، حتى أصبحت الردود هي الشغل الشاغل لعلماء المسلمين وعامتهم، مما أوجد التفافا حول كل محاولة للدفاع عن الإسلام، وهو بحد ذاته مكسب عملي تاريخي، خصوصا إذا علمنا أن رد أي شبهة يكشف جانبا من عظمة التصور الإسلامي الصحيح، فتذهب الشبهة ويبقى التصور وهو مكسب علمي تاريخي أيضًا!
مثلما كان الرد على أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة المسمومة، حيث قالوا لمَ لمْ يخبره الوحي؟
ليكشف الرد ارتباط أجل رسول الله وعمره بتمام الرسالة، حيث لم يمت رسول الله رغم أكله من الشاة المسمومة إلا بعد تمام الرسالة، ولولا أكله من الشاة لما ظهرت هذه الحقيقة الرائعة .. !
كما يكشف رد الشبهة في المقابل جانبا مفزعًا من جوانب التحريف لدين المسيح المنزل عليه من عند الله ..
مثل أن تثار مسألة (بول الإبل) لينكشف من خلال الرد على الشبهة أمر الله إلى حزقيال-حسب زعمهم- أن يصنع فطيرة من (خرء) (براز) الإنسان ويأكلها، وأمر الله إلى بني إسرائيل أن يبول بعضهم في فم بعض كما ورد في الكتاب"المقدس" ( [5] ) .. !!
ولو لو يكن هذا القسيس محاربا لكان أولى به أن يشرح كيف يصنع فطير الخرء ليأكله الإنسان بأمر الرب .. !
ولعل هذا الكتاب ثمرة فكرية وعلمية من ثمار المواجهة الإسلامية لهذه الظاهرة.
وفي النهاية نقول للنصارى المشاركين في هذه الظاهرة السوداء:
أنتم تعملون ضد مصلحتكم ..
خسرتم التعايش الحسن مع المسلمين وقت أن كانوا لا يعلمون ما تُكنُّه صدوركم ناحيتهم ..
ولن تنفعكم شياطين السياسة الغربية والأمريكية ..
ولن يمس المسلمين منكم أي ضرر، ولكنه الأذى العارض الذي لا يلبث أن يذهب بإذن الله ..
ليبقى بعد ذلك الدرس المستفاد، وهو واجب البر والقسط لمن لم يحاربنا في ديننا، وواجب الترصد والتربص ودفع كل من يريد السوء بالإسلام وأهله.
ونقول للنصارى غير المشاركين في الظاهرة السوداء:
أين أنتم من دينكم الذي يقامر به هؤلاء ويرتكبون باسمه كل جرائمهم .. ؟!
الهوامش:-
(1) لسان العرب - (ج 15 / ص 292)
(2) حتى إنه في إطار تغيير النصوص بالزيادة أو النقصان بلغ به الأمر أن ينطق بكلام من عنده زاعما أنه من القرآن .. ! مثل قوله في الحلقة الثالثة من أسئلته عن الإيمان د/ 16 أن القران يقول: (لا تكذبوا على الله وروحي) !!!
(3) في نفس الوقت نجد كتابهم يقول:"متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك، أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك وأثبت مملكته"صموئيل الثاني 12/ 7، وتأمل كذلك سفر الملوك الأول: 3، فلم لا يفسرها هنا كما فسرها هناك؟
(4) مثل رسائل بولس التي يقول في إحداها -رسالة تيموثاوس الثانية4 - 9: (بادر أن تجيء إليّ سريعا * لأن ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاضر وذهب إلى تسالونيكي وكريسكيس إلى غلاطية وتيطس إلى دلماطية * لوقا وحده معي خذ مرقس وأحضره معك لأنه نافع لي للخدمة * أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس * الرداء الذي تركته في ترواس عند كاربس أحضره متى جئت والكتب أيضا ولا سيما الرقوق *) !!!
(5) وتأكل كعكا من الشعير على الخرء الذي يخرج من الانسان تخبزه أمام عيونهم * 13 وقال الرب هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم * 14 فقلت آه يا سيد الرب ها نفسي لم تتنجس و من صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة و لا دخل فمي لحم نجس * 15 فقال لي انظر قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الانسان فتصنع خبزك عليه * 16"سفر حزقيال 4/ 1 - 8."