فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
روى البخاري ومسلم عن سعيد بن أبي الحسن قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما إذ أتاه رجل فقال: يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير؟ فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. سمعته يقول: من صوّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا، فرَبَا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه، فقال: ويحك! إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح.
وفي رواية لمسلم: كل مصور في النار يُجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم.
وإذا علمت خطورة الصور وتأثيرها على العقيدة تبيّن لك لماذا يُوردها العلماء في كتب العقائد دون كتب الفقه؛ لأن تعلقها بالعقائد أكثر من تعلقها بالفقه.
فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على تحريم الصور والتصاوير والتماثيل
ولا يَرِد اللعن - وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله - إلا على كبيرة من كبائر الذنوب.
وأما من فرّق بين الصورة اليدوية التي تُرسم باليد والصورة الشمسية (الفوتوغرافية) التي تلتقط بالآلة (الكاميرا) فقد فرّق بين المتماثلين، وعليه الدليل لأجل أن يُقبل هذا التفريق.
فإن من حرّم بعض أفراد ما جاء به الدليل دون بعض لزمه الدليل النقلي الصحيح للتفريق بين المتماثلين.
فالصورة صورة، ويلزم من قال: إنها مجرد حبس ظل، يلزمه الدليل لإخراج المصوّر الذي يُصوّر تلك الصور من الوعيد الشديد.
بمعنى أنه لا بُدّ من دليل يستثني الصورة الفوتوغرافية من الوعيد الذي تقدّم بعضه.
فالوعيد الشديد ورد في حق المصورين، ومن صوّر صورة
فنحتاج إلى دليل من الكتاب أو من السنة يُخرج المصوِّر الذي يُصوّر بالآلة من ذلك الوعيد.
ولم أرَ عند من قال بذلك سوى الدليل العقلي!
والتعليل بأن ذلك حبس ظل، وأن المصوّر لا يعدو كونه مُشغّل آلة!
وفي النهاية هو مُصوّر رضوا أم لم يرضوا!
وبالتالي سوف يُخرج لنا صورة!
فالصورة هي الصورة! سواء كانت باليد أو بالآلة.
والجدير بالذكر أن الناس إلى يومنا هذا يُسمونها (صورة) بجميع أشكالها.
ولو تغيّرت الأسماء فإن الحقائق لا تتغيّر ولا تتبدّل.
ولذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أقوام يشربون الخمر يُسمونها بغير اسمها، وذلك لا يُغيّر من الخمر شيئا، فهي هي، سواء سُمّيت خمرا أو مشروبات روحية أو (وسكي) !
قال الإمام النووي - رحمه الله: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وسواء ما كان في ثوب أو بساط أودرهم أو دينار أو فلس أو إناء أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام. هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المصوَّر فيه صورة حيوان فان كان معلقا أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يُعدّ ممتهنا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام ... ولا فرق في هذا كله بين ماله ظل وما لا ظل له.
وقال أيضا: وقال بعض السلف: إنما يُنهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل، فإن السّتر الذي أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل.
وأما الاستثناء الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: إلا رقما في ثوب فهذا في الصور الممتهنة، كما فعله عليه الصلاة والسلام حينما قطّعت عائشة رضي الله عنها تلك النمرقة فاتكأ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما يستدل به بعض الناس إذا اشترى ستارة أو وسادة أو ثيابًا فيها تصاوير
يقول: إن عائشة رضي الله عنها قطّعت النمرقة - الستارة - وجعلتها وسائد!
فيُقال لمن قال ذلك: هل اشترتها عائشة ابتداء وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أم أنه عليه الصلاة والسلام أنكر عليها ثم قطعتها وجعلتها وسائد؟
لا شك أنه الثاني، وهذا ينطبق على من اشترى شيئا من ذلك فاتضح له أن فيه صورة، فيقطعها عند ذلك ويتخذها وسادة كحال عائشة رضي الله عنها.
(يُتْبَعُ)