فهرس الكتاب

الصفحة 5044 من 28557

1 -أن الطب النبوي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، ومما يحتج به في هذا الباب قوله -تعالى *) وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى (؛ فإن قوله:(وما ينطق عن الهوى) عموم شامل بمقتضى اللغة لكل ما يخرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم، من القول سواء ما يتعلق بأمور الدين أو أمور الدنيا، فكل ذلك وحي أوحاه الله إليه لا مجال فيه لخطأ، ولا مدخل فيه لزلل؛ لقوله -تعالى-:) *إن هو إلا وحي يوحى)،*وهذا مذهب المحدثين بعامة، ففي صحيح البخاري -مثلًا-:"باب السعوط"،"باب أي ساعة يحتجم"،"باب الحجامة في السفر"، و"باب الحجامة من الشقيقة والصداع"، وفي"السنن"-الأخرى- تجد كتبًا مفردة عن الطب.

2 -أن اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كاجتهاد المجتهدين؛ لأنه لا يُقر على خطأ ألبتة؛ سواء أكان في أمور الدين أو الدنيا.

ولعل قائلًا يقول: إن كون السنة وحي من الله ينافي كون الرسول صلى الله عليه وسلم مجتهدًا على قول القائلين بذلك.

والجواب: إن مسألة اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة أصولية خلافية.

ولكن جمهور الأصوليين ذهب إلى جواز وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم عقلًا وشرعًا.

ولا يوجد ما ينفي ذلك إلا أفهامُ قوم قصُروا عن إدراك الحق؛ فلم يستطيعوا الجمع بين الحقائق الشرعية الصحيحة؛ لأن في المسألة نكتة لطيفة لم يقع عليها إلا المحققون في هذا الفن؛ وهي:

3 -أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم ينزل منزلة الوحي.

4 -وبالتالي فإن اجتهاده صلى الله عليه وسلم ليس له حكم اجتهاد غيره.

*قال العلامة الشوكاني -رحمه الله- في"إرشاد الفحول" (ص 256) رادًا على قول من قال: إن الاجتهاد فيه صواب وخطأ، فأجاب -رحمه الله-:"فقد أجيب عنه بمنع كون اجتهاده يكون له حكم اجتهاد غيره؛ فإن ذلك إنما كان لازمًا لاجتهاد غيره لعدم اقترانه لما اقترن به اجتهاده صلى الله عليه وسلم من الأمر باتباعه".

وقال الشيخ علي بن سلطان محمد القاري في"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1/ 237) :"ثم من قال بأنه -عليه الصلاة والسلام- كان مجتهدًا، ينزل اجتهاده منزلة الوحي؛ لأنه لا يخطىء، وإذا أخطأ ينبه عليه، بخلاف غيره".

ومن قبلهما الإمام الشاطبي فقد حقق المسألة تحقيقًا عميقًا ووثقها توثيقًا دقيقًا؛ فقال -رحمه الله- في"الموافقات" (4/ 21) :"فإن الحديث: إما وحي من الله صرف، وإما اجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم معتبر بوحي صحيح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإذا فرع على القول بجواز الخطأ في حقه، فلا يقر عليه ألبتة، فلا بد من الرجوع إلى الصواب".

قلت: هذا هو الحق اللباب والصواب العجاب؛ فإن الوقائع الصحيحة تؤكده، وبهذا القيد الدقيق تقيده؛ فإن الرسول اجتهد؛ كما في قصة أسارى بدر، وفي الإعراض عن الأعمى: عمرو بن أم مكتوم -رضي الله عنه-، وفي الإذن للمخلفين؛ فسرعان ما تنزَّل الوحي يريه الحق حقًا ويرشده لاتباعه.

وبهذا يكون الخلاف بين الفريقين خلافًا لفظيًا شكليًا؛ لأن النتيجة واحدة، بحيث لا يُقر النبي صلى الله عليه وسلم على خطأ؛ لأنه مؤيد بالعصمة، وبذلك يكون أمر السنة؛ كما قال الشاطبي في"الموافقات" (4/ 80) :"كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من خبر؛ فهو كما أخبر، وهو حق وصدق، معتمد عليه فيما أخبر به وعنه، سواء انبنى عليه في التكليف حكم أم لا، كما أنه إذا شرع حكمًا أو أمر أو نهى؛ فهو كما قال -عليه الصلاة والسلام- لا يفرق في ذلك بين ما أخبره به الملك عن الله، وبين ما نُفث في روعه وألقى في نفسه، أو رآه رؤية كشف واطلاع على مغيب، على وجه خارق للعادة، أو كيف ما كان؛ فذلك معتبر يُحتج به، وينبني عليه في الاعتقادات والأعمال جميعًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة وما ينطق عن الهوى".

قلت: وفي مسألة تأبير النخل شفاء للعي؛ فدونك تحقيقها:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت