فهرس الكتاب

الصفحة 5108 من 28557

صحيح ان دول العالم العربي القديم مثل مصر وسورية علي وجه الخصوص تخلتا عن دوريهما في قيادة المنطقة بسبب قصر نظر بعض قياداتهما، والانجرار خلف الاملاءات الامريكية في العراق علي وجه الخصوص مثلما هو حال مصر، ولكن هذا الانسحاب ربما يكون مؤقتا، فالدولتان اذا ما قررتا التمرد، منفردتين او مجتمعتين، تستطيعان خلط الاوراق وقلب الامور رأسا علي عقب في المنطقة.

الخطأ الاكبر في التوجهات الامريكية الجديدة لا يتمثل فقط في عزل سورية ومصر عن امن الخليج، وهما اللتان كانتا العمود الفقري فيه، ولولاهما لما تحررت الكويت، وانما ايضا عن القضية العربية المركزية الاولي فلسطين، واستبدالها باسرائيل بعد ان تحولت الي صديق في مواجهة العدو الاكبر الجديد للعرب وهو ايران.

اننا نري بوادر صحوة، ومؤشرات تمرد، ان لم يكن علي مستوي القيادة في مصر، فعلي الشعب ومؤسسات المجتمع المدني علي وجه الخصوص، بعد ان طفح كيل الطرفين من شدة الاهانات التي لحقت ببلدهما علي ايدي اسرائيل وامريكا وعمليات الابتزاز المستمرة من نظام هرم فاقد الرؤية والبوصلة الوطنية منها والاقليمية.

الادارات الامريكية المتعاقبة حاولت اكثر من مرة فصل الخليج عن المستودع البشري والراديكالي في مصر وسورية والمغرب العربي بتهميش القضية الفلسطينية بجعلها ثانوية لحساب قضايا اخري طارئة في حينها مثل الحرب العراقية ـ الايرانية، ثم بعد ذلك حرب احتلال الكويت، وتأسيس منظمة اعلان دمشق، واخيرا شيطنة ايران وجعلها الخطر والعدو الاكبر للعرب. ومثلما فشلت المحاولات الاولي في اعطاء أكلها، ستفشل المحاولة الحالية التي يتزعمها الرئيس بوش وبعض القيادات الخليجية الجديدة ذات الميول الامريكية.

فلسطين كانت دائما القضية المحورية، وستظل كذلك، وما يجري حاليا في قطاع غزة من مجازر وسط صمت عربي، وتواطؤ عالمي، ربما يكون عنصر التفجير الذي يقلب كل المعادلات. فالمقاومة لن تهزم، ومشروع بوش لن يعطي ثماره.

اسرائيل تشن حاليا حرب ابادة بالتقسيط ضد الشعب الفلسطيني، وسيسقط شهداء كثيرون في الايام المقبلة، مثلما سقطوا علي مدي ستين عاما ماضية، فالشعوب لا تختار اقدارها، وبعضها لا يهرب من المواجهة، والشعب الفلسطيني عنوان رئيسي في هذا الاطار.

الحرب الاسرائيلية هذه دموية بكل المقاييس، ولكن قد يأتي الخير من باطن شرها، فالسلطة الفلسطينية في رام الله في النزع الاخير، والمفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية التي اطلقها بوش في انابوليس باتت قنبلة موقوتة ستنسف الطرف الفلسطيني الغارق فيها، وربما يخسر الرئيس عباس بعد ان خسر الضفة.

المجزرة الاسرائيلية الاخيرة، طهرت حركة حماس من كل اخطائها، وهي كثيرة، واعادت التفاف الشعب الفلسطيني حولها وفصائل المقاومة الاسلامية الاخري، واضعفت موقف فريق الرئيس عباس، وافقدته ما تبقي له من مصداقية في اوساط القلة الفلسطينية. فهكذا تكافيء امريكا واسرائيل حلفاءها.

الغارات والتوغلات الاسرائيلية ستستمر في غزة ونابلس وجنين وعدد الضحايا سيرتفع يوما بعد يوم، ولكن ما لا تدركه القيادتان الاسرائيلية والامريكية انهما لا تقضيان علي المعتدلين الفلسطينيين فقط، وانما علي الاجنحة المرنة في صفوف حماس نفسها، فمحود الذزهار بات الاكثر شعبية بعد فقدانه نجله الثاني شهيدا الي جانب شقيقه الاكبر، لانه اثبت ان قيادات حماس تضحي بابنائها وليس بابناء الاخرين، وان هؤلاء الابناء هم مقاتلون وليسوا منخرطين في البزنس والصفقات التجارية.

السياسة الخارجية الامريكية تدخل حاليا حقل الغام جديد، شديد الانفجار، ولعله يكون الخطأ الاخير الذي يمهد لصعود الصحوة العربية والاسلامية المنتظرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت